مدينة الأبيض تحت النار: قصف متواصل رغم فك الحصار ومقتل أسرة كاملة

رصد: رقراق نيوز

رغم فك الحصار عن مدينة الأبيض الواقعة على بُعد 588 كلم جنوب غرب العاصمة الخرطوم، ما زالت المدينة ترزح تحت القصف العشوائي الذي تشنه قوات الدعم السريع، في مشهدٍ دموي يتكرر يوميًا، ويلقي بظلالٍ قاتمة على حياة السكان المدنيين.

في أحدث الهجمات، لقي خمسة أفراد من أسرة واحدة مصرعهم يوم الثلاثاء 9 أبريل، بعد سقوط قذيفة مدفعية على منزلهم في أحد أحياء المدينة، في وقتٍ كانت المدينة تستعد فيه للإفطار في يوم رمضاني جديد. وشهدت الأبيض خلال شهر رمضان الماضي تسعة أيام متتالية من القصف، خصوصًا وقت أذان المغرب، بحسب شهادات مواطنين.

موائد الإفطار تتحول إلى ملاجئ

تقول المواطنة أم الهادي، في حديثها لـ”التغيير”، إن صوت الانفجارات بات يسبق الأذان، ويمتزج مع ترتيبات الإفطار: “ما عدنا نفكر في الجوع. فقط ننتظر دوي التدوين ونتمسك بأطفالنا إلى أن تمر العاصفة. لم تُصبنا القذيفة هذه المرة، لكننا نعلم أن غيرنا ربما لم يكن محظوظًا.”

وفي السياق ذاته، وصفت المواطنة ت.ف الحياة في الأبيض بـ”الجحيم اليومي”، حيث أصبح القصف طقسًا ملازمًا لحياة السكان، مبيّنة أن المدنيين فقدوا الأمان في منازلهم، وأن الإصابات لم تعد تفرّق بين خطيرة وخفيفة، “الجميع معرض للموت فجأة”.

الخوف لا يمنع استمرار الحياة

ورغم الرعب اليومي، تُظهر المدينة وجهًا آخر لا يقل دهشة، حيث تستمر المدارس في دوامها، وتبقى الأسواق عامرة بالحركة، وتُقام موائد الإفطار الرمضانية، في تحدٍّ صامت للموت.

لكن هذه الحياة المعلّقة بالخوف، حسب وصف المواطن ن.ع، تسير على وقع الانفجارات:

“الإفطار أصبح سباقًا مع الزمن. سريع سريع قبل ما تبدأ الضربات. الناس بقت متنشنة، وكل زول منتظر متين تجي القذيفة الجاية.”

فك الحصار لم يُنهِ القصف

وكان الجيش السوداني قد فك الحصار المفروض على الأبيض منذ مايو 2023، بعد أن استعاد السيطرة على الطريق الحيوي الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ديسمبر الماضي. غير أن القصف العشوائي من قوات الدعم السريع تواصل، مما عمّق مأساة السكان.

ويشير المواطن ع.س إلى أن القصف لا يتبع نمطًا واضحًا، بل يضرب من اتجاهات مختلفة بشكل مفاجئ، وهو ما جعل التنبؤ بالمواقع المستهدفة مستحيلاً، مضيفًا:

“حتى محاولة تحديد أماكن القصف أصبحت تهمة. كأننا وحدنا من يُعاقَب، وسط صمت مطبق.”

نزوح داخلي وبيع للعقارات

وفي ظل استمرار القصف، بدأت حركة نزوح داخلية من الأحياء المستهدفة إلى مناطق أقل تعرضًا للقصف، فيما يلجأ آخرون لمغادرة المدينة بالكامل، بحثًا عن الأمن. كما لوحظت حركة نشطة في بيع العقارات، في ظل تخوّف الأهالي من استمرار تدهور الأوضاع.

ويؤكد مواطنون أن القصف يستهدف أحيانًا مناطق مدنية بها وجود عسكري، من مدارس ومراكز صحية إلى عمارات سكنية، مثل “عمارة عبد الظاهر”، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا من المدنيين بلا تمييز.

مدينة استراتيجية تتحول إلى ساحة حرب

وتُعد مدينة الأبيض من أهم المدن الاستراتيجية غرب السودان، إذ تضم أكبر سوق عالمي للصمغ العربي، إلى جانب أسواق المحاصيل والماشية، وتشكّل نقطة ربط رئيسية بين ولايات غرب البلاد وطريق الصادرات.

ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت الأبيض هدفًا دائمًا للعمليات العسكرية، حيث تحاول قوات الدعم السريع إحكام قبضتها على المدينة، بينما يتمركز الجيش السوداني في قيادة الفرقة الخامسة مشاة والمواقع الحيوية بالمنطقة.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، يطالب سكان المدينة بتدخل عاجل لوقف القصف العشوائي، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة في مدينة اعتادت على الصمود، لكنها تنزف يومًا بعد يوم.