حين تصبح المحنة وطنًا

بقلم: د. شذى الشريف

مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

 

ليست كل الصور تُلتقط لتُحفظ في الأرشيف، فبعضها يُكتب في ذاكرة الأوطان قبل أن يُحفظ في عدسة الكاميرا. وهذه الصورة ليست مجرد اجتماع لقادة في ميدان، بل هي شهادة على أن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، يبقى قادرًا على أن يجمع أبناءه تحت راية واحدة عندما يصبح وجوده هو القضية.

 

الحرب شر… ولا تزال أكبر لعنة عرفتها البشرية. فهي تهدم المدن، وتُيتم الأطفال، وتترك في القلوب ندوبًا لا يمحوها الزمن. لكنها، في المقابل، تكشف معادن الرجال، وتُسقط الأقنعة، وتعيد تعريف معنى الوطن.

 

في هذه الصورة يقف القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لا بوصفه رئيسًا فحسب، بل قائدًا في قلب الميدان، يحمل همّ وطنٍ يتطلع إلى الخلاص.

 

وبجواره يقف مني أركو مناوي، الرجل الذي عرفته ميادين الحرب كما عرفته منابر السلام، فكان حاضرًا حين استدعت الضرورة القتال، وحاضرًا حين نادى الوطن بالحوار. رجلٌ أثبت أن الوطنية ليست شعارًا، بل موقفٌ يُقاس في ساعات الشدة.

 

ويحضر في المشهد كيكل، وتكتمل الصورة بالكباشي، وجابر، وياسر العطا، ومالك عقار، ورصاص، وجبريل إبراهيم، ومفضل، ومصطفى تمبور، وعبد الله يحيى… أسماءٌ تختلف في الخلفيات، لكنها تلتقي في هذه اللحظة حول هدفٍ واحد: السودان.

 

اللوحة الوطنية الشاملة

غير أن أجمل ما في هذه الصورة ليس من ظهر فيها، بل من تمثلهم جميعًا.

 

إنها صورة لكل أمٍ انتظرت عودة ابنها، ولكل أبٍ صبر على وجع الفقد، ولكل جندي رابط في الخنادق، ولكل إعلامي حمل الكلمة مسؤولية، ولكل فنان أنشد للوطن، ولكل شاعر كتب للأمل، ولكل طبيب ضمد الجراح، ولكل مهندس حلم بإعادة البناء، ولكل معلم حافظ على رسالة العلم، ولكل امرأة حملت الوطن في قلبها، ولكل شاب رفض اليأس، ولكل طفل ما زال يرسم علم السودان بألوان الفرح.

 

إنها لوحة وطنية عظيمة، رسمتها التضحيات، وألوانها ليست إلا حب السودان.

 

ما بعد الانتصار: التحدي الأكبر

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف انتصرنا؟

 

بل: كيف نحافظ على هذا الانتصار؟

 

فالانتصار الحقيقي لا يكتمل في ميدان المعركة، وإنما يبدأ بعد أن تضع الحرب أوزارها. يبدأ حين تتحول هذه اللحظة إلى مشروع وطني، وهذه الصورة إلى ميثاق، وهذا الاصطفاف إلى إرادة سياسية وشعبية لا تعرف الانقسام.

 

لا نريد لهذه الوجوه أن تجتمع فقط في زمن الحرب، ثم تتفرق عندما يحين وقت بناء الدولة. نريدها أن تظل كتلةً وطنية صلبة، تضع السودان فوق المصالح، وفوق الحسابات الضيقة، وفوق كل خلاف.

 

لقد دفعت بلادنا ثمنًا باهظًا من الدماء والدموع، ولا يحق لأحد أن يُهدر تضحيات الشهداء في معارك السياسة أو صراعات النفوذ. فما بعد الانتصار مسؤولية أكبر من الانتصار نفسه.

 

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى غالبٍ ومغلوب، بل يحتاج إلى دولةٍ قوية، ومؤسساتٍ عادلة، وسلامٍ يحفظ الكرامة، وتنميةٍ تعيد الحياة لكل شبرٍ أنهكته الحرب.

 

كلمة أخيرة

هذه الصورة تقول شيئًا واحدًا لكل السودانيين:

 

إذا استطاعت الحرب أن تجمعكم دفاعًا عن الوطن، فليجمعكم السلام لبناء الوطن.

 

وهنا فقط… يصبح النصر نصرين؛ نصرًا في الميدان، ونصرًا في بناء الدولة التي يستحقها شعب السودان.