“مأمون سوار الذهب.. حين يصبح التراث السوداني صوتاً في محفل عربي”

حروف مبعثرة – خضر مسعود

 

أثارت مشاركة الفنان الشاب مأمون سوار اذبلذهب، ممثلاً للسودان في الدورة السادسة والعشرين من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في تونس، جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية، بين مؤيد يرى في المشاركة حضوراً مهماً للسودان في محفل عربي كبير، ومنتقد تحفظ على طريقة اختيار الفنان، وعلى اختياره للأغنية وأسلوب أدائه، خصوصاً في السهرة الختامية التي قدم خلالها أغنية تراثية سودانية.

 

وأقيمت فعاليات الدورة السادسة والعشرين على مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في تونس، خلال الفترة من 21 إلى 24 سبتمبر، وشهدت مشاركة مأمون تفاعلاً لافتاً، تعددت حوله الآراء واختلفت التقييمات.

 

أولاً: مأمون يستحق فرصة تمثيل السودان

 

دعونا أولاً من “الغيرة” غير المبررة من اختيار مأمون سوار الذهب ممثلاً للسودان. فالفنان الشاب يمتلك موهبة حقيقية، وصوتاً قوياً، وقدرة عالية على التطريب، وإمكانات صوتية تؤهله لأن يكون ضمن صفوف كبار الفنانين، رغم صغر سنه وحداثة تجربته مقارنة بعدد من الأسماء الموجودة في الساحة الفنية.

 

ومن حق مأمون، مثله مثل أي فنان آخر، أن يمثل اسم السودان في المحافل والمهرجانات متى امتلك القدرة ووجد الفرصة. وليس من حق أحد أن ينتقص من فرصته أو يقلل من شأن مشاركته لمجرد اختلافه مع طريقة اختياره أو مع تجربته الفنية.

 

نحن في حاجة إلى أن نسمع العالم صوتنا، وأن يكون السودان حاضراً في مختلف المحافل الثقافية والفنية. فقد شهد العقد الماضي غياباً سودانياً عن كثير من المنصات والمهرجانات، ولذلك فإن أي مشاركة سودانية في مثل هذه الفعاليات يمكن النظر إليها باعتبارها فرصة لاستعادة حضور السودان الثقافي والفني، والتعريف بفنه وتراثه.

 

ثانياً: “أخوي تومي”.. اختيار ينتمي إلى الهوية

 

أما اختيار الأغنية، فأراه موفقاً من حيث المضمون والرسالة. فقد اختار مأمون أغنية تراثية ملحمية هي “أخوي تومي”، وهي أغنية تعبر بوضوح عن جانب أصيل من الهوية السودانية، وتحمل معاني إنسانية واجتماعية سامية، من بينها الشجاعة والإقدام والكرم والنخوة.

 

وهذه هي الصورة التي نرغب في أن تصل إلى العالم عن السودان؛ شعب مترابط اجتماعياً، كريم وشهم، ظل يحتفظ بخصاله الأصيلة رغم ما أصابه من وهن وما مر به من أزمات.

 

وإذا كان المجتمع السوداني قد أصابته خلال السنوات الماضية حالة من الفرقة والشتات والاستقطاب القبلي، فإن معالجة هذه الجراح لا تكون بالسلاح والاقتتال، وإنما بالفن والثقافة واستعادة القيم المشتركة التي ظلت تجمع السودانيين عبر تاريخهم.

 

ومن هنا، فإن تقديم أغنية تراثية تحمل هذه المعاني في مهرجان عربي ليس مجرد اختيار فني، وإنما يمكن أن يكون أيضاً رسالة ثقافية تعرّف الآخرين بجانب من روح السودان وهويته.

 

ثالثاً: التوزيع الموسيقي والتنفيذ

 

أما فيما يتعلق بالتوزيع الموسيقي والتنفيذ، فأعتقد أن الفرقة الموسيقية وفقت إلى حد كبير في تقديم العمل، خصوصاً أن جميع العازفين، بحسب ما بدا من المشاركة، ليسوا سودانيين.

 

لقد قدمت الفرقة لوحة موسيقية متناسقة، اتسمت بدرجة عالية من الانسجام والهارموني. وربما لم يكن معظم العازفين على دراية كاملة بمعاني الكلمات، لكن تفاعلهم مع اللحن واندماجهم معه أظهرا قدرة موسيقية لافتة على تحويل العمل إلى لوحة متكاملة.

 

وطبيعة الأغنية نفسها، بما تحمله من معاني الشجاعة والكرم والخصال الحميدة، سمحت للفرقة بأن تختصر الكثير من مضمونها عبر الموسيقى. وكأن الآلات كانت تقدم خطاباً موازياً للكلمات، وتشرح للمستمع شيئاً من روح الأغنية من خلال اللحن والإيقاع والتفاعل الموسيقي.

 

وهذا أمر مهم في مخاطبة جمهور عربي وإقليمي واسع؛ فالمتلقي غير السوداني قد لا يفهم جميع مفردات الأغنية أو دلالاتها من المرة الأولى، لكنه يتفاعل مع الموسيقى واللحن والأداء، ثم يبحث عن معاني الكلمات حتى تكتمل لديه الصورة.

 

أما المتلقي السوداني، الذي اعتاد سماع الأغنية في شكلها التقليدي وبإيقاعاتها وأدواتها المألوفة، فقد لا يتقبل بسهولة التدخلات الموسيقية أو الاختلاف في التوزيع، لأنه يقارن بالضرورة بين النسخة التي يعرفها والنسخة الجديدة التي قدمت أمام الجمهور العربي.

 

ومن هنا جاء بعض الانتقادات التي اتهمت الفنان بالخروج عن اللحن التقليدي، وهي في تقديري قراءة تحتاج إلى مراجعة. فمأمون كان ملتزماً باللحن الأساسي للأغنية، وقدم أداءً صوتياً قوياً وفخيماً، ولم يكن التغيير في جوهر اللحن بقدر ما كان في التوزيع الموسيقي وطريقة تقديم العمل.

 

رابعاً: المشكلة الحقيقية ليست في مأمون

 

وبدلاً من توجيه الانتقاد إلى مأمون سوار الذهب والتقليل من قيمة مشاركته، ربما علينا أن نلتفت إلى واقع الفن السوداني نفسه، وإلى حالة التراجع التي أصابت الساحة الغنائية خلال السنوات الأخيرة.

 

بصراحة، أصبحت الساحة تعج بما يمكن وصفه بـ”القونات”، وغاب عنها الإبداع بصورة واضحة. وفي أحيان كثيرة لم نعد نسمع غناءً بالمعنى الذي عرفه السودان، وإنما ضجيجاً ونعيقاً يطغيان على الكلمة واللحن والأداء.

 

لقد قلت ذلك من قبل، وأعيده اليوم: خلال السنوات العشر الماضية، لم أستمع إلى عدد يُذكر من الأغنيات الجديدة التي استطاعت أن تطربني بكلماتها أو ألحانها، باستثناء بعض المحاولات الخجولة التي لم تستطع في معظمها تجاوز ضعف الكلمات وركاكة الصياغة.

 

لقد غاب الشعر الجزل، وتراجعت الألحان الشجية، وأصبح السؤال مشروعاً: هل جفت منابع الشعر؟ وهل نضب الإحساس لدى بعض المغنين والملحنين؟ أين الكلمة التي تطرب، واللحن الذي يشجي، والأغنية التي تعيش في وجدان الناس؟

 

إن أزمة الغناء السوداني اليوم ليست في فنان شاب قرر أن يمثل بلاده في مهرجان عربي، ولا في أغنية تراثية أعيد توزيعها موسيقياً، وإنما في واقع فني يحتاج إلى مراجعة حقيقية وشجاعة.

 

وأنا من أنصار عودة لجان المصنفات والنصوص، وإجازة الأصوات، وغيرها من الآليات التي كانت، في تقديري، تمثل حارساً للذوق العام وللفن السوداني، وتضع معايير قبل أن تصل الأعمال إلى الجمهور.

 

نحن بحاجة إلى أن نزيل هذا التلوث السمعي الذي أصاب المجتمع، وأن نعيد للغناء السوداني بهجته وسروره، وأن نفتح الطريق أمام المواهب الحقيقية، من دون أن نحاصرها أو نغلق أمامها أبواب المشاركة.

 

ولذلك، فإن مشاركة مأمون سوار الذهب في تونس ينبغي أن تُقرأ في سياق أوسع: السودان بحاجة إلى أن يكون حاضراً في المحافل العربية والدولية، وفنانونا الشباب بحاجة إلى الفرصة، والتراث السوداني بحاجة إلى أن يُسمع خارج حدوده.

 

أما النقد، فهو حق مشروع، لكن الأفضل أن يكون نقداً للتجربة بهدف تطويرها، لا وسيلة لإقصاء الفنان أو مصادرة حقه في أن يحاول ويجتهد ويقدم السودان بصوته وفنه.