إعادة بناء الوطن.. بين رحابة الإسلام المعتدل وطهرانية التدين الزائف

عبد الكريم عيسى عبد الكريم _ المحامي

​لقد ظلت خطوات تواصل وإتصال المؤتمر الشعبي بالقوى المدنية منذ الاتفاق الإطاري الذي كان سابقاً للحرب وحتى لقاءات القوى المدنية (صمود) في أديس أبابا وواشنطن تثير حفيظة بعض ذوي الهوس الديني وليس التدين الصحيح، على ما بين الهوس وصحة التدين من بون شاسع ومدى بعيد، وترتفع على إثرها عقيرة المتفيقهين اعتراضاً على سلوك الفقهاء، على ما بين التفيقه والفقه كذلك من انفصام واعتزال في دين الله وواقع حياة الناس.

​لذلك تأتي هذه المقالة محاولة لإبانة معالم المنهج الذي يتكئ عليه المؤتمر الشعبي وقسمات المبادئ التي يعمل وفقها، والغايات التي يسعى لتحقيقها من وراء ذلك.

​يشخص عنوان المقالة إعادة بناء الوطن بين رحابة الإسلام المعتدل وطهرانية التدين الزائف، بل ويرسم خطوطاً مائزة بين رؤية الشعبي التي تمثل الإسلام المعتدل بسماحته وانفتاحه وأصالته ومعاصرته وسعيه لاستيعاب كافة أبناء الوطن في مشروع إعادة بنائه، وبين رؤية أصحاب التدين الزائف والطهر المغشوش التي تجعل من الإسلام ديناً سالباً لإرادة الإنسان وهو الذي رفع لواء تحريرها، ومنتهكاً لكرامة الإنسان وهو الذي أعلى من شأنها، وهادماً للأوطان وهو الذي وضع قواعد بنائها.

​يرى بعض أصحاب العقول المهووسة والتدين الكاذب ممن أشرنا لهم آنفاً أنه لا يجوز التحدث مع القوى السياسية العلمانية أو استصحابها – والاستصحاب مصدر من مصادر التشريع كما يقول أهل الأصول – في مشروع بناء الوطن، وذلك لأنها تطالب بفصل الدين عن الدولة كنتيجة لتجربة المؤتمر الوطني الكالحة وتدينهم الكذوب الذي لم يردعهم عن ارتكاب الموبقات في أعظم المواسم تعبداً كشهر رمضان، أو انتهاك حرمة أكثر المخلوقات حرمة وهو الإنسان، ولذلك نود أن نبسط القول فصلاً في هذه المسألة اعتماداً على منهج الإسلام وليس أحزابه، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وليس أقوال بعض المتعالمين من المنتسبين إلى سنته على نحو ما سنبينه أدناه:

​أولاً: قامت وثيقة المدينة المنورة وهي أول مشروع تأسيسي لدولة الإسلام على التعاقد الإرادي الحر بين مكونات المدينة الاجتماعية من العرب المسلمين واليهود الوافدين من اليمن وغيرها وبعض النصارى، واضعة بذلك قاعدة هامة وهي أن بناء الدول يقوم على قاعدة المواطنة المستوعبة لتعدد الأديان والثقافات وليس وحدة الدين المستأصلة للمخالفين لها اعتقاداً أو فكراً أو ثقافة، كما هو شأن التجربة الأوروبية البائسة التي أثمرت فرقاناً كبيراً وهجراناً دائماً بين الإنسان والدين، وعليه فإن للقوى السياسية -علمانية كانت أو إسلامية- الحق في التحدث والمشاركة في بناء الوطن وإصلاح سيرته.

​ثانياً: يقرر الله سبحانه خالق الإنسان ومنزل الأديان أنه يجوز للإنسان المؤمن أن يتلفظ بكلمة الكفر لساناً وهو يطمئن بها قلباً في سبيل المحافظة على حياته كما جاء في سورة النحل الآية 106: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وهو ما قرر عليه علماء الأصول بجواز الشرب من الخمر لمن غص في حلقه حتى لا يموت، وجواز أكل الميتة وغيرها لمن أشرف على الهلاك حتى لا يموت، فإن كان ذلك جائزاً في سبيل المحافظة على روح الفرد فما بالك بالآلاف من الأفراد الذين أزهقت الحرب أرواحهم وشردت قاطنيهم وهدمت آمالهم وضيعت مدخراتهم؟ وكما قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه في مناظرته مع الخوارج: أأيجوز التحكيم في بضع امرأة ولا يجوز في حق الأمة حقناً لدماء أبنائها؟ وللخوارج أجيال متعاقبة في تاريخ الأمة كما ترى.

​ثالثاً: مما حملته كتب التاريخ من مواقف معبرة عن عمق المعرفة وأصالة الفهم موقف الإمام أحمد بن حنبل حينما حاججه المخالفون له في الموقف من السلطان الجائر من أنه لا يجد في كتاب الله أو سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ما يدعو للخروج عليه وقتاله، فقال: ما يحملني على مخالفتهم ليس غياب الدليل ولا قصور المستدل، ولكنه إعمال فقه الموازنات بين الحسنات والسيئات حيث وجد أن سيئة الصبر على الطغيان خير من حسنة ارتكاب المجازر وانتهاك الحرمات وإهلاك الحرث والنسل وغيرها من ضروب الفساد الذي لا يحبه الله خروجاً عليه، ونحن على إثره نقول: إن الجلوس والتفاهم مع أبناء الوطن بكافة مشاربهم ومنطلقاتهم والصبر على ذلك حتى تقضي الانتخابات الحرة القادمة وبرلمانها التأسيسي على كل القضايا الخلافية بأمر الشعب الحر الواعي، أهون من كلفة الحرب المدمرة هذه.

​رابعاً: إن نهج الحركة الإسلامية عبر تمظهراتها التاريخية وصيرورتها الفكرية والسياسية أنها لم تضع من قاعدة الاختلاف في الدين أو الفكر أو التوجه مانعاً من التحاور والتشاور والاتفاق مع الحركات والأحزاب العلمانية القحة كالحركة الشعبية بقيادة جون قرنق أو الحزب الشيوعي بزعامة محمد إبراهيم نقد وصديق يوسف، بل إن اتفاقية نيفاشا المشؤومة حوت باباً كاملاً يتحدث عن علمانية العاصمة القومية، فليتهم يتذكرون أو يتفكرون.

​خامساً: لقد قال شيخ الحركة الإسلامية وعراب الفقه الدستوري في السودان الشيخ الترابي رحمه الله وأحسن إليه، في ندوة مشهودة محشودة بجامعة النيلين في العام 2006م، إن غالبية الشعب السوداني إذا انتخبت علمانياً لحكم البلاد سيكون أول المبايعين له، فأين هو من أقوال المتفيقهين والمتعالمين من شارحي أبواب الحيض والنفاس -على أهميتها- وسوء تعبيرهم عنها وفهمهم لها؟!

​سادساً: إن عبر التاريخ الماثلة للعيان وحقائقه الواضحة لكل ذي عقل وبيان أن الإسلام الذي وأده صولجان العسكر وأبعده عن الحياة في تركيا مثلاً أعادته للحكم وتوجيه الحياة مرة أخرى قواعد الديمقراطية التي تحترم إرادة الأغلبية وصدق التوجه واعتدال السلوك وطهر اليد واللسان، وأن الإسلام الذي حملته للحكم أبوات وأبواق العسكر (وبين أبوات وأبواق جناس غير تام) في السودان، إذا بالشعب يهب ليسقط نظامه السياسي بثورة شعبية بسبب التدين المغشوش لأصحابه والتنكر الكبير منهم لأحكامه والإدبار الصريح عن مقاصده وغاياته، ومنها حفظ الأوطان وصون حرمة الإنسان وحماية الحقوق ورعاية الحريات والمساواة بين أبناء الوطن على قاعدة المواطنة وليس الموالاة، فهل يعتبر المهوايس أو يرعوي أصحاب التدين الكذوب؟!

​سابعاً: إن أولئك الرافضة الجدد لنهج الشعبي القويم يريدون أن يجعلوا من الإسلام سبباً لتمزيق الأوطان بدلاً من بنائها، وسبباً لإشعال الحروب بدلاً من إطفائها، وعاملاً مباشراً لهتك الكرامة عوضاً عن صونها، وهم بذلك يجعلون من الإسلام ديناً يتناقض مع فطرة الإنسان ومسلمات الفكر وقواعد العيش الكريم.

​ثامناً: الباحث عن أصحاب العقيرة المدوية والتدين الكذوب يجدهم يتخذون من الدول العلمانية الغربية ملاذاً آمناً يتفيؤون ظلاله ويتمتعون بخيراته، وما كان لهم أن يجدوا ذلك لولا أن الديمقراطية العلمانية الغربية قد أعلت من قيمة الإنسان وصانت الحقوق الأساسية والحريات السياسية، وجعلت من الاستقرار السياسي قرين النماء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، بل أصبحت ملاذاً لكل من ضاق به وطنه تحت نير الهوس والادعاء، وفي مثلهم قال الإمام الشافعي:

​زواملُ الأسفارِ لا علمَ عندهم … بجيدِها إلا كعلمِ الإباعرِ

​ولعمري هو حالهم مع تراث الإسلام الوافر واجتهاد الحركة الإسلامية المعاصر العميق.

​تاسعاً: لقد ذكر الشيخ راشد الغنوشي، وهو من شيوخ الإسلام المعاصرين وقادته المجتهدين في مشروع أسلمة الحياة وديننة العلوم، في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”، أن وحدة الأوطان مقدمة على وحدة الأديان، وهو ما أكده المحبوب عبد السلام في عدة حوارات حينما أوصاه الشيخ للمفاوضين في نيفاشا أنهم إذا خُيِّروا بين الإسلام ووحدة السودان فعليهم بالثانية، فأين أصحاب اللحى الصفراء والعمائم السلطانية والمحفظات الغارونية والفتاوى الهامانية من موقف الشيخ راشد الذي لم نسمع له عائباً من كبار علماء الأمة الصالحين العاملين بعلمهم المخلصين لدينهم وأوطانهم؟!

​عاشراً: إن العلماء الذين لا يكترثون للدماء المراقة والحقوق المنتهكة والأوطان الممزقة المنهارة لا يستحقون لقب العلم ولا وقار أصحابه، وأنه لا يضر سحائب الشعبي الهطول نباح الكلاب الضالة كما قال ابن زيدون، ولا فعل المتساقطين تساقط الذباب على الشراب في موائد الطغاة من العسكر ومن حالفهم، ولا غضب المتهافتين تهافت الفراش على الشهاب في موائد الملك العضوض قديمه والجديد.