شذرات من بادية الحوازمة

«الرُّوَاقة»

الكاتب: المأَمون قيدوم

لحياة بادية الحوازمة نُظم و أنماط يتكيف معها هؤلاء العربان أيما تَكيُّف علي مدار العام فهي متعدد الأنماط، لا يُدرك كُنهها الكثير من الناس في السودان و يتعدي أمر عدم الإدراك و الإحاطة بهذه الحياة المتنوعة ليشمل حتي بنو الحوازمة الحضريون بحضر السودان المتباعد المسافات و كذلك يندرج في ذلك الإستثناء نسل حوازمة المِهجر و الإِغتراب و كثير ممن دفعهم السعي للأرزاق بعيداً عن هذه البادية العريقة و التالدة و المِعطاء.

 

فحياة بادية الحوازمة هي حياة يكتنفها الغِني و الروعة و الجمال بكل ما تحوية تلك المفردات و الأعظم أن أهلها يعتدون بها أيما إعتاد غير آبهون بزُخرُف المدائن و دِعة و رِقة جمال حياتها من عُمران و لطائف ملبس و نعيم مغنم و أموال، و أهل بادية الحوازمة حين يزورون المُدن تستشف في سيماهم العجلة و الإستعجال و يتبدي لك جلياً فيدفعهم للخروج منها سريعاً حتي لو حملته ظروف السقم للتداوي بمشافي المُدن تراهُ متجهم الوجه غير منشرح الفؤاد عازم علي مغادرتها و «تواً» فيقول لك بلهجة الحوازمة: هاي تراه أمباكرتا وقت ده نحن هياتنا معردين من الديم و بالله تلقونا «طروراي في ألمي»،.

 

فأهل بادية الحوازمة مكفهرون، عائِفون لحياة الحضر و مدائنها و حيناً يسخرون منها أثناء تجوالهم «تسوقاً فيها» بعد عرض و بيع بعض مواشيهم من إبل و بقر و ضأن بأسواق المُدن للمواشي و أثناء تسوقهم يسيحون و يمدون الأبصار ملياً علي متاجر الأسواق فهم يجيدون تنقية حاجياتهم و ما يلزم من بضائع فيتبضعون تبضع الأغنياء فأحمال و أغراض الواحد منهم يعجز عن حملها «سعةً» دواب المُدن مثل أحواض البكاسي، و إذا ما إسترعي الحازمي مشهداً مدائني يخالف نمط حياته البادي فهو يتأفف و يتعفف منه و ينطق بلهجة حازمية رصينة: «أم بلورمية شيف ليك بتلاف و أم بُدالية زول، جغ المكنوس !!» بتعابير غاية في التأفُف و التعفُف و الإستجهان لفِعلَة ذاك المدني الغارق في الحضرية.

 

الرُّوَاقَةُ

———٠٠٠————

الرُّوَاقَةُ في بادية الحوازمة هي جزء من حِزمْ أنماط حياة هذه البادية، بل هي إحدي ركائزها الوطيدة طول العام يتشبثون بها و لا ينفكون عنها حيث تمثل لهم مشعلاً و نِبراس حياة يسترشدون بسواطعه المنيرة ليستبينوا أمر بيئة و حياة مجهولة عليهم في الأبعاد من فجاج الأرض و النُزل، يرومون ثراها حتماً جراء عمليات ترحالهم الضرورية و المستديمة خلال فصول السنة.

الرُّوَاقَةُ : في بادية الحوازمة هي رحلة بحث و إستكشاف لمخطات «نُزل» جديدة يَنَّشُدها «عربان الحوازمة» حين يَنْوُونَ و يعنزمون الرحيل من دار لدار خلال رحلتي «المصايف و المخارف» بحزامي الساڤنا.

و للرُّوَاقَةُ في نمطها ببادية الحوازمة «أُسس» و لا تكون خبط عشواء لترحل فرقان عرب الحوازمة لأرض و ديار مُبَهمةً و غافلون عن فحاويها و محتويات أرضها من سهول ذات أعشاب و أكام و بطاح و فيوض مياه فيستعلمون و يستكشفون أولاً حتي عن الأسواق و الزروع التي يمرون عليها بظعائنهم كفاحاً قبل أن يدركوا مُرام نُزلِهم المُستكشفة قبلاً بأعيون و أراء «الرواقون» و هم فئة من عصبتهم ذوي خبرات في هذا المجال«الرُّوَاقَةُ».

مَلمْ«شُوري» الرُّوَاقَةُ بضراء الحوازمة

———-٠٠٠—————

حين العزم علي عملية الرُّوَاقَةُ ببادية الحوازمة تجري بدءاً «الشوري» يتنادون لها علي فناء الضراء وهو «البرلمان الشعبي» لعرب الحوازمة فيتداعون لأمرها من فج كل «فرقان ذوي أرحامهم» و قوام الفريق الواحد متوسطهُ خمشة عشر بيت حازمي لأُسرة يتراوح عدد أفرادها من خمسة إلي سبعة فرد و تشمل الدعوة كذلك بعض أهل القُري من ذويهم المقيمون بها تمهيداً لهذه «الشوري الرُّوَاقَيةُ» و خلال يومين إلي ثلاثة يتدعي و يتجمَّع المدعون علي فناء الضراء الحازمي و الزمان إما عند ساعات بُزوغ الإشراق أو عقب المغرب مباشرةً و المستضيفون لهذا «المَلمْ» يفيضون في كرم الضيافة من الذبائح و مشروب الإبرية الأبيض و «النسية» و الحليب الطازج و قدحان العصيدة تتري مع صحون للأرز المطهي بالحليب و مصبوب عليه السمن البقري، أما الشاي«الباتيل البشد الحيل» فهو بالتأكيد حاضراً علي وعاء الكفتيرة «أم جرقول» ذات السعة اللترية الواسعة.

بعد إستقبال الوفود «المُنتدبة» من كل فريق و قرية علي الضراء الحازمي

تبدأ الشوري و يرأسها أكبر القوم سناً و المُتَسلَّح بالخبرات في مجال «الرُوَاقةُ» و لعقود زمانية، و بعض النساء الحازميات يَكُنَ حضوراً خاصه اللواتي يتمتعن بالحِكمة و معرفة بقاع المراحيل و النُزل فتحمل كل واحده منهن مقعدها «بَنَّبَر» من بيتها و لتجلس عليه ببقعة «الضراء الدائري» الشكل

و الأجندة تختصر في:

أختيار مناديب من الخمسة عشر فريق و لا يتعدي عددهم اكثر من سبعة خبير من بينهم عدد إثنان من الشباب تعوذهم الخبرة في مجال «الرُّوَاقةُ» و الغرض من إختيارهم «الشباب» يتمثل في تدريبهم و إكسابهم خبرات ليدخِرونها حين يغدون قيادةً وسط فرقانهم و قومهم الحازمي، ثم أن الغرض الأخر من أختيارهم هو خدمة ذويهم الخُبراء الكبار أثناء رحلة „الرُّوَاقةُ» البحثية ، الإستكشافية،و تتنوع الأجندة و لكن تنحصر في الآتي :-

1/ إختيار المخطات «النُزل» الجديدة علي أن لا تبعد كثيراً من الدار الحالية «القديمة»علي مسافة لا تتعدي أكثر 20 إلي 30 كيلومتر.

2/ فحص الدار الجديدة جيداً و التأكد من بُعدها من الزروع و البساتين.

3/التأكد من وفرة مياه الشُرب للإنسان و الحيوان و نقائها.

4/ فحص الفلاة«المرعي» الجديد عن كثب و مدي صلاحية عُشبه و أشجاره للرعي.

5/ خلو الدار و  المرعي الجديد من أثار أمراض الحيوان مثل أب لسان و أب دميعة و ذلك بالتقصي و الكشف علي أي «رمم» لحيوانات نافقة سلفاً إن وجدت بأروقة الدار الجديدة.

6/ما أمكن قُرب الدار و النُزل الجديدة من الأسواق من أجل التسوق ساعتئذ.

7/ دفن أي أَجْحَار إن وجدت لحيوانات مفترسة خاصه المرافعين«الذئاب».

تُختتم الشوري الحازمية التي جرت مداولاتها في هذا الصدد «الرُّوَاقَةً» توصيةً بتوصيات لا تخلو من ما تمخضت عنه الأجندة أعلاه، و من ثم يتم تجهيز «الرُّوَاقُون» الذين تم إنتخابهم من جلسة الضراء الشورية و من ثم يصدروا يوم غد أو بعد غدٍ علي ظهور جمالهم«أبعرتهم» مُيممين وجههُم شطر الديار الجديدة في رحلة إستكشافية،بحثية من أجل الإنتقال من ديارهم القديمة التي ما عادت تصلُح للإقامة للإنسان و الحيوان لما يعتريها من معايب إلي الديار الجديدة الوفيرة المرعي و المياه الخالية من كل ما يُكََر صفو العشيرة، تلك النُزل ذات الثري البكر و الأشجار و الأعشاب الخصبة، فتُجهِز لهم النساء مستلزمات الرحلة من طعام لاسيما الحليب و دقيق الدخن و الأَرز و القديد الجاف مع قِربتين و بضع سعون لتعبئتها بماء الشُرب أثناء رحلة الرُّوَاقَة  الإستكشافية و قليل من الأواني خاصه براد للشاي مع ملحقاته.