
بأي حالٍ عُدتَ يا عيد
بقلم: نضال طبيق
العيد في زمن الحرب ينعدم فيه الفرح، رغم أن الله أمر بالفرحة، وجعلها من شعائره. لكن دائمًا هناك غصّة في الحلق بسبب الدمار والخراب، والفقد الكبير للأحباء والأقارب والأصدقاء.
من ظل في الداخل، عانى الأمرّين: صنوف العذاب، والخوف، وفقدان الأمان. ومن خرج، عانى ثلاثًا: الغربة، والفقد، والبعاد.
للعيد في السودان طعم خاص ومذاق مختلف، يحمل نكهة التراب ودفء الأهل. يبدأ الاستعداد للعيد قبل أسابيع، حيث تُقام الأسواق الشعبية لبيع الأضاحي، وتنتشر روائح التوابل والبهارات في الأزقة، وتُزيَّن الواجهات بالخراف المزيّنة وألوان البهجة. يشتد الحنين للأهل حتى قبل أن يبدأ العيد.
في صباح العيد، تصدح مكبرات الصوت بتكبيرات العيد في كل حي، وتعمّ أجواء روحانية تبعث الطمأنينة في النفوس. الجيران يتبادلون التهاني، والأطفال يرتدون ملابسهم الجديدة بفرحٍ بريء.
في السودان، العيد يعني لمة الأسرة الكبيرة، يعني التكافل، والكرم، والمحبة. يحرص الناس على توزيع اللحوم للفقراء والجيران دون تكلف، في تجسيد حقيقي لمعاني الأضحية والعطاء. حتى ملابس العيد لها طعم مختلف، خصوصاً التوب السوداني المطرز والجلابية البيضاء التي تفوح منها رائحة العيد.
على النقيض، يأتي عيد الأضحى في الغربة بصوت منخفض، يحمل روحًا باهتة، رغم محاولة البعض التمسك بالعادات. قد لا يكون هناك عطلة رسمية، وقد يذهب البعض إلى العمل في صباح العيد، بينما القلب معلق هناك، في الوطن.
اللمة تكون مصغرة، أو أحيانًا غائبة تمامًا. لا جيران يباركون، ولا تكبيرات تتردد في الأحياء. قد يستمتع المغترب بطعم العيد فقط عبر مكالمة فيديو مع الأهل، يبتسم وهو يخفي دمعته، ويقول “كل سنة وأنتم طيبين” وصوته يرتجف بالشوق.
الفرق بين العيد في السودان والعيد في الغربة ليس فقط في المكان، بل في الإحساس. في السودان، العيد يُعاش، يُلمَس، ويُحسّ. بينما في الغربة، العيد يُسترجع كذكرى مؤلمة، تختزنها الروح وتحنّ إليها.
كم هو مؤلم أن تكون فرحة العيد ناقصة، لأن نصف القلب صار في شارع طفولتك، في حضن أمك، وفي دعاء جدتك.
جانا العيد وانت بعيد…
أبيت ما تعود تبارك العيد
جونا الناس بقولوا تهاني..
بخيت.. وسعيد..
تتحقق أماني
لقوك بعيد.. بلدك تاني
غربة على.. وجرح جواني