
أمةٌ حين تريد… تصنع التاريخ من جديد
بقلم: حامد إبراهيم (ود مقاطب)
ليس كل حشدٍ جماهيري حدثًا، وليس كل مناسبة ذكرى، فبعض المشاهد تتحول إلى علامات فارقة في مسار الشعوب، تخرج من إطار الاحتفال إلى فضاء التاريخ.

ما جرى في شمبوب في الذكرى الثانية لتأسيس حركة تحرير شرق السودان لم يكن تجمعًا عاديًا، بل كان استفتاءً شعبيًا مفتوحًا على هوية الشرق، وخياراته، ومستقبله.
مجتمعات البني عامر والحباب ليست طارئة على الجغرافيا ولا على السياسة ولا على الصراع. هي أمم قديمة بقدم البحر الأحمر نفسه، وفاعلة بعمق طرق التجارة، وصانعة لتوازنات المنطقة منذ بونت وأكسوم وسوبا وكوش وسنار، مرورًا بمصر القديمة، وصولًا إلى النضال الحديث في السودان وإريتريا.
هذه الأمم لا تستدعى عند الحاجة ثم تُهمَّش، بل هي كلمة السر في كل معادلة تتعلق بشرق السودان وحوض البحر الأحمر.
من يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن الشرق لم يكن يومًا هامشًا، وإنما جرى تجريفه سياسيًا عبر دول مركزية فاشلة، تجاهلت الإنسان، واستنزفت الموارد، وتركت المجتمعات فريسة للفقر والمرض والجهل والصراعات المصنوعة.
وحين تسد كل أبواب السياسة، يصبح السلاح – شئنا أم أبينا – لغة اضطرارية، لا عشقًا للحرب بل بحثًا عن الكرامة.
مشهد شمبوب كان كاشفًا:
سيول بشرية من كسلا والقضارف والبحر الأحمر، من القرى والبوادي والمدن، ومن المنافي الأوروبية والخليجية.
تنظيم دقيق، وانضباط، ورسائل بصرية محسوبة، ورايات لم تُرفع عبثًا، بل صيغت بعناية لتقول: نحن هنا، نعرف ماذا نريد.
واللافت أن هذا المشهد أسقط كثيرًا من دعايات التخويف، وبدد أسطورة أن شرق السودان لا يستطيع التنظيم أو العمل المشترك.
لقد أثبت الناس، لا النخب، أن الوحدة ممكنة حين تكون القيادة صادقة.
في كلمته، لم يتحدث القائد إبراهيم عبدالله إبراهيم (أبوعدي – إبراهيم دنيا) بلغة الثأر أو الإقصاء، بل بلغة الأرض والعِرض، والسيادة، والسلام المشروط بالكرامة.
قال بوضوح: نحن لسنا ضد أحد، ولسنا مشروع فتنة، ولسنا أداة حرب عبثية. نحن أصحاب أرض، ومن حقنا أن يكون لنا رأي فيما يُدار فوقها، وأن لا نُقتل عليها بلا معنى.

هذه اللغة هي ما افتقده الشرق طويلًا؛
لغة لا تساوم على الموارد، ولا تتاجر بالهوية، ولا تستخدم المكونات المجتمعية وقودًا للصراع.
لغة تقول إن البحر الأحمر ليس مجرد ممر للقوى العظمى، وإن الزراعة ليست غنيمة للمركز، وإن إنسان الشرق ليس رقمًا فائضًا في معادلة الدولة.
غياب بعض القوى التقليدية عن المشهد لم يكن فراغًا، بل كان تعريفًا جديدًا للشرعية:
الشرعية لم تعد تُستمد من المكاتب أو المسارات الورقية أو صفقات العواصم، بل من الأرض والناس والقدرة على الحشد والتنظيم.
شمبوب لم تكن فقط ذكرى تأسيس حركة، بل كانت إعلانًا صريحًا أن الشرق دخل مرحلة جديدة، مرحلة كسر الوصاية السياسية، وبداية البحث عن دولة سودانية تُبنى من الأطراف لا تُفرض عليها.
العيد الأول كان في ساوا،
والعيد الثاني في شمبوب.
والرسالة لمن يفهم:
حين تنهض الأمم الكبيرة، لا تسأل الإذن… بل تكتب التاريخ من جديد.