“جسر السلاح العابر للحدود”.. كيف تحول شرق ليبيا إلى “مخزن خلفي” لتغذية حرب السودان؟

تقرير/ رقراق نيوز

بينما تنشغل الدبلوماسية الدولية ببيانات القلق، تعمل ماكينة لوجستية معقدة على مدار الساعة لتغذية الصراع في السودان.

هذا التقرير يتتبع الرحلة القاتلة للشحنات العسكرية، محطة بمحطة، بناءً على بيانات تتبع الملاحة الجوية (FlightRadar24) وتقارير لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة وتحقيقات “CNN” و”نيويورك تايمز”.

المرحلة الأولى: “رأس الأفعى” – قواعد الانطلاق

تبدأ الرحلة من قواعد جوية رئيسية في الإمارات، أبرزها قاعدة الظفرة الجوية ومطار العين الدولي.

  • نوع الطائرات: طائرات شحن ضخمة من طراز (Ilyushin Il-76) و(Boeing 747) تابعة لشركات شحن مسجلة في دول ثالثة للتمويه.

  • التغطية: تُسجل الرحلات غالباً تحت مسمى “مساعدات إنسانية” أو “تجهيزات لوجستية لمستشفيات ميدانية”.

المرحلة الثانية: “الترانزيت الليبي” – قاعدة الخادم وبرقة

تعد المنطقة الشرقية في ليبيا، الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر، المحطة الأهم لإعادة التوزيع.

  • الموقع: قاعدة الخادم الجوية (جنوب المرج) ومطار بنينا في بنغازي.

  • النشاط: خلال الأشهر الستة الماضية، رُصد هبوط أكثر من 600 طائرة شحن. يتم هنا تفريغ الحمولة وإعادة تعبئتها في طائرات أصغر أو شاحنات برية تتجه جنوباً.

  • التنسيق: يتم التنسيق عبر “غرفة عمليات مشتركة” تضم قيادات من قوات حفتر ومستشارين عسكريين.

المرحلة الثالثة: “بوابة أم جرس” – الخدعة التشادية

مع تزايد الرقابة الدولية على ليبيا، تم تفعيل ممر “أم جرس” (Amdjarass) في شرق تشاد بصورة مكثفة.

  • الواجهة: مستشفى ميداني إماراتي.

  • الحقيقة: تحول مطار “أم جرس” الصغير إلى واحد من أنشط المطارات العسكرية في المنطقة. استقبل مئات الرحلات التي تحمل مسيرات (Drones) صينية الصنع من طراز (Wing Loong) وصواريخ حرارية ومناظير ليلية.

  • طريق العبور: تدخل الشاحنات من أم جرس مباشرة عبر الحدود السودانية إلى “الزرق” و”كتم” بمشال دارفور، وهي المعاقل الرئيسية لإمداد المليشيا.

لماذا 600 طائرة؟

إن حجم الإمداد (600 طائرة) لا يهدف فقط للحفاظ على مواقع المليشيا، بل يهدف إلى “تغيير العقيدة القتالية” للدعم السريع من قوات مشاة خفيفة إلى قوة تعتمد على المسيرات والمدفعية الثقيلة، وهو ما يفسر زيادة وتيرة “القصف العشوائي” للأحياء السكنية (كما حدث في الأبيض ومروي).

تصريح إماراتي :

ما يثير الدهشة في هذا الملف ليس حجم السلاح فحسب، بل ما نقله تقرير لشبكة “CNN” عن مسؤول إماراتي رفيع المستوى، والذي برر هذه الأدوار الإقليمية المثيرة للجدل برغبة بلاده في “ألا تظهر كدولة مهمشة”.

قراءة في التصريح:

“إن السعي لانتزاع مكانة إقليمية عبر ‘دبلوماسية السلاح’ يشير إلى استراتيجية تعتمد على خلق نفوذ قسري في ملفات النزاع، حتى وإن كان الثمن هو الاستقرار الإقليمي ودماء الشعوب. مصطلح ‘التهميش’ يعكس رغبة في لعب دور القوة العظمى إقليمياً، وتجاوز حجم الجغرافيا عبر التأثير في مصائر الدول الكبرى كالسودان وليبيا.”

الدوافع النفسية للسياسة الخارجية:

إن ربط استقرار السودان برغبة دولة ما في “الظهور القوي” يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني.

فإذا كان المحرك للسياسة هو “عقدة التهميش”، فإن الضحايا هم ملايين السودانيين الذين فقدوا ديارهم وحياتهم.

إن كشف هذه الأرقام (600 طائرة) هو بمثابة “بلاغ دولي” يتطلب تحركاً جنائياً لوقف نزيف الدماء الذي يتغذى من وراء الحدود.