
جامعة السودان المفتوحة: صمود التعليم في زمن الحرب
همس البوادي : سعاد سلامة
في وقتٍ تتعثر فيه الحياة تحت وطأة الحرب، وتتشظى فيه المؤسسات وتغيب فيه ملامح الاستقرار، نجحت جامعة السودان المفتوحة في إنجاز امتحاناتها الإلكترونية السابعة في الحرب؛ مؤكدةً أن التعليم في السودان ليس نشاطًا موسميًا بل رسالة راسخة لا تُعطّلها البنادق ولا تُسكتها المدافع.
لم يكن انعقاد الامتحانات حدثًا عاديًا في سياق استثنائي، فالحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على البلاد لم تترك قطاعًا إلا وأصابته بالشلل، وكان التعليم العالي في مقدمة المتضررين؛ ومع ذلك اختارت جامعة السودان المفتوحة أن تواجه الواقع لا بالانسحاب بل بالفعل، وأن تحوّل التحدي إلى فرصة لإثبات قدرتها التاريخية على الوصول للطلاب في أصعب الظروف.
امتحانات تحت الخطر وإرادة لا تنكسر جرت الامتحانات في ظل أوضاع أمنية معقّدة، وشح في الخدمات، وصعوبات لوجستية هائلة. طلابٌ قطعوا مسافات طويلة محفوفة بالمخاطر، وآخرون قدموا من مناطق نزوح، وبعضهم واجه ظروفًا إنسانية قاسية بين فقدٍ وتشريد وانقطاع في سبل العيشن ورغم ذلك حضروا وسجلوا وجلسوا وكتبوا؛ وكأنهم يعلنون أن الحرب قد تُربك الحياة لكنها لا تُلغي الحلم.
جامعة السودان المفتوحة التي ارتبط اسمها تاريخيًا بإتاحة التعليم للجميع، أكدت مرة أخرى أنها جامعة الشعب في كل الأحوال، وأن رسالتها لا تتوقف عند حدود الجغرافيا أو الظروف السياسية والأمنية؛ فقد اتسمت الامتحانات بمرونة مدروسة راعت أوضاع الطلاب دون التفريط في المعايير الأكاديمية أو نزاهة العملية التعليمية.
إدارة تتحمل المسؤولية في زمن الفوضى إن إنجاز هذا الاستحقاق الأكاديمي لم يكن ليتم لولا جهود إدارة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس، وبرزت بصمات البروفيسور عبد الخالق فضل رحمة الله برؤيته وخبرته رغم الظروف الاستثنائية؛ مؤكدًا أن القيادة الأكاديمية والإدارية قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات وطنية.
الطلاب جوهر الحكاية وأبطالها القصة الحقيقية كما في كل مرة كان أبطالها الطلاب الذين اختاروا التعلّم رغم القلق، والاستمرار رغم الانكسار العام؛ جسّدوا معنى الإصرار بأبسط الأدوات: كتاب، قلم، وإرادة لا تُقهر. هؤلاء الطلاب لا يؤدون امتحانات فحسب، بل يدافعون عن حقهم في مستقبل أفضل، ويؤكدون أن الاستثمار الحقيقي للسودان لا يكمن في السلاح بل في العقول التي ترفض أن تتوقف عن التفكير والتعلّم حتى في أقسى الظروف.
رسالة إلى الداخل والخارج إن ختام امتحانات جامعة السودان المفتوحة في ظل الحرب يحمل رسالة واضحة للداخل والخارج؛ أن السودان رغم الجراح لا يزال قادرًا على إنتاج الأمل، وأن مؤسساته التعليمية يمكن أن تكون نموذجًا للصمود لا ضحية للانهيار. كما يشكل هذا الإنجاز دعوة صريحة لدعم التعليم وحمايته من آثار الصراعات، والاعتراف بدوره في الدولة والمجتمع بعد الحرب؛ فالأوطان لا تُعاد إعمارها بالإسمنت وحده بل بالمعرفة والوعي والتعليم.
حين يصبح التعليم مقاومة، فإن ما فعلته جامعة السودان المفتوحة ليس مجرد ختام لامتحانات بل موقف وطني وأخلاقي؛ يؤكد أن التعليم في السودان فعل مقاومة سلمية وخط دفاع أخير عن المستقبل. ففي زمن يسهل فيه التوقف اختارت الجامعة الاستمرار، وفي وقت يبرر فيه الكثيرون الغياب قررت الحضور. وهكذا تُسجل جامعة السودان المفتوحة شهادة جديدة في سجلها لا تُمنح بالحبر والأختام، بل تُكتب بالصبر والتحدي والإيمان بأن الغد مهما طال لا بد أن يكون أفضل.
ما جرى في جامعة السودان المفتوحة يتجاوز حدود الامتحانات واللوائح الأكاديمية؛ إنه إعلان صريح بأن هذا الوطن مهما أثقلته الحرب لم يفقد بوصلته الأخلاقية ولا إيمانه بالإنسان.
فاصلة في بلدٍ تتسابق فيه أصوات الرصاص، اختار التعليم أن يتكلم بهدوء ويقول كلمته الأخيرة: نحن هنا ولن نغادر المستقبل. إن حماية التعليم اليوم ليست ترفًا ولا خيارًا مؤجّلًا بل واجب وطني عاجل؛ لأن الأمم التي تسمح بانطفاء مدارسها وجامعاتها تطيل عمر الحرب ولو صمتت المدافع. ومن هنا فإن ما فعلته جامعة السودان المفتوحة يجب أن يُقرأ بوصفه درسًا في المسؤولية ورسالة أمل ونقطة ضوء؛ تؤكد أن السودان ما زال حيًا بعقول أبنائه، وأن الغد يُصنع الآن في قاعات امتحان قاومت الحرب وانتزعت حقها في الحياة.
اللهم آمنّا في أوطاننا.