زكاة شمال كردفان… عطاء يتسع في وجه الحرب ويعيد بناء المعنى الاجتماعي

همس البوادي – سعاد سلامة

ليست كل المؤسسات على قدر المسؤولية حين تضيق الأزمات وتتزايد الضغوط؛ بعض المؤسسات تختفي عند أول اختبار، وبعضها يخفف حضوره، وقليل فقط يوسّع ظله كلما اشتدت الشمس. في شمال كردفان، كان ديوان الزكاة من هذا القليل النادر، حاضراً حيث الحاجة الحقيقية، صامتاً في عمله وصادقاً في أثره.

 

في ولاية أرهقتها الحرب وأنهكها شح الموارد، خرج الديوان إلى الناس ليس بخطاب عاطفي أو شعارات رنانة، بل بلغة الأرقام الواقعية التي لا تكذب؛ أكثر من خمسة مليارات جنيه صُرفت خلال شهر واحد، ووُضعت أكثر من عشرين ألف أسرة في دائرة الاستهداف المباشر. هذه الأرقام لم تُسجل للعرض الإعلامي أو لفت الأنظار، بل لإنقاذ واقع اجتماعي مهدد بالانفجار، ولإثبات أن الزكاة ليست مجرد إحسان لحظي بل نظام حماية اجتماعية متكامل.

 

ما يميز تجربة زكاة شمال كردفان هو فلسفة الصرف نفسها التي تجاوزت حدود “سلة رمضان” الرمزية؛ الزكاة هنا امتدت لتشمل إطلاق سراح النزلاء بسجن الأبيض، ودعم المرافق الصحية، وإسناد التكايا والخلاوى القرآنية، وحفر آبار المياه، والتأمين الصحي للفقراء وتفويج العائدين. هذا الفهم يعكس رؤية ناضجة للزكاة لا بوصفها صدقة موسمية، بل كشبكة أمان اجتماعي شاملة تحمي الكرامة الإنسانية قبل حماية الموارد. وفي ظل حرب تلتهم الكرامة قبل الموارد، كان أهم ما قدمه الديوان هو الحفاظ على كرامة المستفيدين عبر لجان قاعدية تعرف أهلها وضوابط اختيار دقيقة تقلل الظلم، وتوزيع يصل إلى المتعفف قبل أن يمد يده؛ كلها تفاصيل صغيرة تصنع فرقاً كبيراً بين دعم عابر وأثر مستدام.

 

لكن زكاة شمال كردفان لم تكتفِ بإدارة الأزمة اليومية بل بدأت التفكير في ما بعدها؛ في مرحلة ما بعد الإغاثة. الحديث عن التمكين ووسائل الإنتاج ليس ترفاً تنظيرياً، بل اعتراف شجاع بأن الإعانة وحدها لا تبني مجتمعاً مستداماً؛ الفقير يجب أن يُنقل من خانة الاستهلاك إلى دائرة الإنتاج، ومن الاعتماد المؤقت إلى الاستقلالية الكاملة. اللافت أن الديوان لم يدخل سباق المنصات الإعلامية ولم يسعَ لجذب الأنظار ببيانات ضخمة أو مؤتمرات متكررة، بل اشتغل بصمت وترك الأثر يتحدث عن نفسه. في زمن الضجيج والادعاءات، هذا الصمت بحد ذاته إنجاز؛ لأنه يعكس نضج الإدارة وروح المسؤولية.

 

أكد الأستاذ إبراهيم عثمان داوود، أمين ديوان الزكاة بولاية شمال كردفان، خلال المؤتمر الصحفي، التزام الديوان بإيصال أموال الزكاة لمستحقيها بشفافية وعدالة رغم التحديات الاقتصادية، موضحاً أن الزكاة تمثل أداة للتكافل الاجتماعي ودعم الاستقرار المعيشي، مجدداً العهد بأن تظل أموال الزكاة أمانة في خدمة المواطن لا وسيلة لاستعراض أو جذب شهرة. قد لا توقف الزكاة الحرب، لكنها بلا شك تمنع انهيار المجتمع تحت وطأتها؛ تطعم جائعاً وتداوي مريضاً، وتعيد ماءً لقرية وأملاً لأسرة وثقةً في أن الخير ما زال ممكناً حتى في أقسى الظروف. هنا تتحول الزكاة من مجرد بند في الميزانية أو موسم في التقويم إلى خط دفاع أخير عن الإنسان، يحميه من الانهيار الاجتماعي والنفسي قبل أن يحميه من الجوع والفقر.

 

في الشوارع والأحياء والقرى وأطراف النزوح، هناك قصص صغيرة عن أثر الزكاة؛ طفل يعود إلى المدرسة بعد أن وفرت له الأسرة الدعم الغذائي، مريضة تتلقى علاجها بعد فتح باب التأمين الصحي للفقراء، قرية عادت للماء بعد حفر بئر جديد، وعائلات عادت للعيش بكرامة بعد تسوية ديونها. هذه التفاصيل اليومية الملموسة تصنع الفرق بين الدعم العابر والأثر الدائم، وتثبت أن فلسفة الزكاة في شمال كردفان ليست مؤقتة بل استراتيجية طويلة الأمد لبناء مجتمع صامد.

 

وفي رمضان هذا العام، وعبر المؤتمر الصحفي، أطلقت أمانة ديوان الزكاة برنامجها تحت شعار “عبادة تتجدد وعطاء يتمدد”، برعاية والي الولاية الأستاذ عبد الخالق عبد اللطيف وداعة الله، وإشراف أمين الديوان الأستاذ إبراهيم عثمان داود. مشهد رمضان هذا ليس مجرد توزيع سلال، بل تجسيد حي لروح التكافل وصناعة الفرحة وسط التحديات، وإعلان صريح أن الخير ممكن حتى في أقسى الظروف.

 

تحية وفاء لديوان الزكاة الاتحادي برئاسة مولانا أحمد إبراهيم عبد الله على دعمه اللامحدود الذي كان سنداً حقيقياً لولاية شمال كردفان ونصرة للمستضعفين والفقراء. إدارة الدعوة والإعلام بديوان الزكاة تمثّل الذراع الرسالي والتوعوي الذي يحفظ للزكاة روحها ومعناها قبل مالها، ويعزّز أثرها في المجتمع، وهي تُولي الخلاوي عناية خاصة باعتبارها حصون القيم ومصانع الرجال، فتدعمها علمياً ودعوياً وإعلامياً لتبقى منارات هداية وتزكية. ومن خلال خطاب إعلامي واعٍ ودعوة رشيدة تعمل الإدارة على ترسيخ ثقافة الزكاة وربط العطاء بالإصلاح وبناء إنسانٍ صالحٍ ومجتمعٍ متكافل تحت مظلة ديوان الزكاة ورسالة الزكاة الخالدة.

 

فاصلة:

في ديوان الزكاة شمال كردفان، يظل العطاء نوراً في وجه الظلام والكرامة الإنسانية محفوظة بفضل إرادة صامتة وقرار ثابت يضع الإنسان في قلب كل عمل، ويجعل من الزكاة أكثر من مجرد صدقة بل رافعة لبناء مجتمع كامل، يحمي ضعيفه ويعزز قدراته، ويؤكد أن معنى العطاء الحقيقي لا يُقاس فقط بالأموال بل بالكرامة، بالاستدامة، وبالأمل الذي يُزرع في كل أسرة وكل قلب.

 

اللهم آمنا في أوطاننا.