
جنود الطوارئ: صمود في زمن الأوبئة
حد القول : حسن السر
في زمن الحرب، حين تتعالى أصوات المدافع وتتعرقل الحياة اليومية، يظل الخطر الصحي صامتاً لكنه قاتل؛ فالأوبئة لا تنتظر انتهاء الحرب، بل تستغل ضعف البنية التحتية وانهيار الخدمات لتنتشر بلا رحمة. وهنا يظهر الدور الحاسم للإدارة العامة للطوارئ ومكافحة الأوبئة بوزارة الصحة الاتحادية، كخط الدفاع الأول في مواجهة الكوليرا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض الفتاكة.
عملت فرق الطوارئ عبر ولايات السودان المختلفة، من الجزيرة وكسلا إلى نهر النيل والبحر الأحمر، كما انتشرت فرق الإسناد في كل الولايات لتؤكد أن الاستجابة الصحية لا تعرف حدوداً جغرافية. في ظروف بالغة الصعوبة، يجوب هؤلاء الجنود المدن والقرى، ينقلون الأدوية، يوزعون أدوات التعقيم، يقيمون مراكز العزل المؤقتة ويشرفون عليها. مهمتهم ليست فقط علاج المرضى، بل أيضاً كسر سلسلة العدوى وحماية المجتمعات من الانهيار الصحي.
في ولاية الخرطوم، حيث الكثافة السكانية العالية، واجهت الإدارة العامة للطوارئ تحدياً كبيراً في السيطرة على الكوليرا. عبر حملات التوعية وتوفير مياه الشرب الآمنة، نجحت في تقليل معدلات الإصابة رغم شح الموارد وانقطاع الإمدادات. كانت الخرطوم مثالاً حياً على أن الإرادة والتنظيم يمكن أن يصنعا فارقاً في زمن الأزمات.
أما في كسلا، فقد شكّلت حمى الضنك تهديداً واسع الانتشار. هناك، عملت فرق المكافحة على رش البيئات الموبوءة، وتفتيش أماكن توالد البعوض، وتوزيع الناموسيات، وتدريب الكوادر المحلية على طرق الاستجابة السريعة. تجربة كسلا جسدت التعاون بين المركز والولايات، وأثبتت أن العمل الميداني المباشر هو السبيل الوحيد للحد من انتشار المرض.
ولم يكن العمل الميداني وحده هو السلاح، فقد عقد مركز عمليات الطوارئ الاتحادي أكثر من 127 اجتماعاً بمشاركة شركاء الصحة المحليين والدوليين لتنسيق الجهود وتوحيد الاستجابة. كما امتد الدور ليشمل النازحين في مراكز الإيواء، حيث وفرت الإدارة العامة للطوارئ ومكافحة الأوبئة الخدمات الصحية الأساسية وأعمال الوقاية من خلال توفير المياه الصالحة للشرب والغذاء، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية والإدارات العامة بوزارة الصحة الاتحادية. هذه الجهود ساعدت على حماية آلاف الأسر من الانهيار الصحي وسط ظروف النزوح القاسية.
الشكر والتقدير والاحترام لحكومة البلاد ممثلة في وزارة المالية التي كانت خير معين وأول من دعم الطوارئ ومكافحة الأوبئة، كما نشكر جميع المنظمات وجهودها في توفير الإمداد الدوائي واللقاحات.
رغم الحرب، ورغم التحديات اللوجستية والأمنية وصعوبات الوصول، ظلّت الإدارة العامة للطوارئ ومكافحة الأوبئة صمام أمان للصحة العامة في السودان. وفي وقفة وفاء، نذكر أرواح جنود الطوارئ بوزارة الصحة الاتحادية الذين ضحوا في سبيل هذه الرسالة: البروفيسور الصادق محجوب، الدكتورة ليلى حمد النيل، الأستاذ مهتدي محمود، الأستاذة نبيهة عبد الله، الأستاذة حنان عبد الله بدري، ضابط الصحة أبوبكر حاتم، والسائق مجدي عباس. نسأل الله أن يتقبلهم ويجعل الجنة داراً لهم، وأن يتقبل كل شهداء الطوارئ في ولايات السودان. قصتهم ليست مجرد مواجهة للأمراض، بل هي شهادة على صمود هؤلاء الجنود المجهولين، وعلى أن حماية الأرواح واجب لا يسقط مهما كانت الظروف.
لابد من الإشادة بالتناغم والانسجام بين وزارات الصحة بالولايات وإدارات الطوارئ الصحية والأوبئة، على الجهد الذي بُذل بالتنسيق مع الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة الاتحادية، حيث شكّلوا خلية متكاملة شعارها: “إن دعا الداعي كلنا طوارئ”، وقد كان. وربما من باب التذكير بفضل الخيرين من أهل السودان بالداخل والخارج، فقد كانت استجابتهم كبيرة لنداء الوزير الأول الذي أطلقه البروف هيثم من أمام مستشفى أم درمان: “إيدك معانا لمشفانا”. يمكن أن نستفيد من الجهد الأهلي والشعبي والخيرين والمؤسسات الاستثمارية والوزارات الاقتصادية ليكونوا شركاء من باب المسؤولية المجتمعية، لأننا في السودان نؤمن أن العمل فيه لا ينفصل عن الطوارئ ومكافحة الأوبئة، ونثق في وقفة قوية مع الصحة الاتحادية لأنها وزارة “الصحة للجميع وبالجميع”.
اليوم نرفع شعارنا: نحو تعزيز الأمن الصحي في السودان. إنها رحلة نضال، ففي قلب العتمة، هناك دائماً من يضيء الطريق نحو الحياة.
وكان الشعار:
الأوبئة لا تنتظر… ونحن لا نستسلم
كسرة:
رغم الحاصل… لازم نواصل.