سابا.. حين يضيء الأطباء دروب الحياة وسط ركام الحرب

حروف مبعثرة: خضر مسعود

 

رغم ما ألمّ بالشعب السوداني من ويلات الحرب، ظل جوهره الأصيل ثابتًا، كذهبٍ تصقله النيران فيزداد بريقًا ولمعانًا. وفي قلب هذه المعاناة، تتجلى صور إنسانية مضيئة تؤكد أن العطاء لا ينطفئ، وأن روح التضامن أقوى من الخراب. ومن بين هذه الصور، يبرز الدور النبيل الذي اضطلعت به منظمة “سابا” – تجمع الأطباء السودانيين بأمريكا – والتي جسدت معنى الانتماء الحقيقي، حين هبّ أبناؤها لنصرة أهلهم في الداخل، مدفوعين بواجب إنساني قبل أي شيء آخر.

لم تكن استجابة المنظمة مجرد مبادرات عابرة، بل كانت جهدًا واسعًا ومنظمًا حمل في طياته الأمل لآلاف الأسر المنكوبة. فقد تمكنت من تقديم أكثر من 3,104,513 وجبة غذائية للفئات الأكثر هشاشة، لتسد رمق الجوعى وتخفف وطأة الأزمة عن كاهلهم. وفي ميدان الصحة، امتد أثرها ليشمل 750,053 مريضًا تلقوا خدمات طبية مباشرة في مختلف الولايات، في وقتٍ أصبحت فيه الرعاية الصحية تحديًا يوميًا.

وفي لحظات الميلاد التي تختلط فيها الحياة بالأمل، أشرف كادر طبي مؤهل على 14,086 حالة ولادة، مقدمًا رعاية آمنة للأمهات والأطفال. كما شغّلت المنظمة 397 عيادة متنقلة، جابت المناطق المتضررة لتصل بالخدمة الطبية إلى من تقطعت بهم السبل.

أما الأطفال، الذين كانوا الأكثر تأثرًا بوطأة الحرب، فقد أولتهم المنظمة عناية خاصة، حيث تم تطعيم 103,194 طفلًا دون سن الخامسة، وفحص 319,976 طفلًا للكشف عن سوء التغذية، مع علاج 17,666 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم. ولم تغفل المنظمة الجوانب النفسية، فعملت على تقديم 11,879 جلسة دعم نفسي واجتماعي، إدراكًا منها لحجم الأثر الذي تتركه الحروب على النفوس.

وفي سبيل استدامة العطاء، دعمت المنظمة 106 مرافق صحية، وأسهمت في تأهيل 15 مرفقًا منها، إلى جانب الاستثمار في الإنسان عبر تدريب 1,943 من الكوادر الطبية والمجتمعية، وتمكين 2,167 من الكوادر الصحية من خلال برامج الحوافز، بما يعزز من قدرتهم على الاستمرار في تقديم الخدمة رغم التحديات.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي قصص حياة، ووجوه أمل، ودموع فرح في عيون أمهات وجدن من يساندهن في أصعب الظروف. إنها شهادة حية على أن السودان، رغم جراحه، لا يزال قادرًا على النهوض بسواعد أبنائه، وأن الإنسانية حين تتجسد في أفعال، تصنع فرقًا لا يُنسى.