
حين تُعيد إلينا الكرة الفرح… من السامبا إلى القاهرة… لماذا أؤمن أن الرياضة تصنع الأمل؟
د. شذي الشريف
رئيسة قطاع المرأة السابقة بنادي الهلال
هناك من ينظر إلى كرة القدم على أنها مجرد لعبة، تسعون دقيقة من الركض خلف كرة، بينما أراها مساحة رحبة للحياة، ومدرسة للقيم، ومنصة تصنع الانتماء، وتبني الأمل، وتوحد الشعوب أكثر مما تفعل كثير من الخطب والشعارات.
منذ سنوات طويلة، ارتبطت علاقتي بالرياضة بقناعة راسخة، لا باعتبارها ترفاً، وإنما باعتبارها إحدى أدوات بناء المجتمعات وصناعة الإنسان. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتني أتشرف بالعمل رئيسةً لقطاع المرأة بنادي الهلال، مؤمنة بأن الرياضة ليست حكراً على الرجال، وأن المرأة شريك أصيل في المدرجات، والإدارة، وصناعة الوعي الرياضي.
ولذلك، لم تكن كرة القدم بالنسبة لي مجرد منافسة بين فريقين، وإنما حالة من الجمال. ومتعة مشاهدة مباراة كبيرة لا تقل عندي عن متعة الاستماع إلى أغنية خالدة من تراثنا السوداني الأصيل، بصوت سرور أو كرومة أو أبو صلاح. ففي الفن كما في الكرة، هناك إبداع، وهناك إحساس، وهناك لحظات تبقى في الذاكرة.
ولا أخفي أنني كنت، وما زلت، من عشاق مدرسة السامبا البرازيلية، تلك الكرة التي تمزج المهارة بالخيال، وتجعل المستديرة لغةً للجمال قبل أن تكون لغةً للنتائج.
وأتذكر أنني في عام 2008 كتبت مقالاً عن كأس العالم، لكنه لم يكن عن المنتخبات أو التكتيك أو النجوم، بل عن حق المرأة في أن تعيش هذه اللحظة العالمية. يومها دعوت إلى تخصيص أماكن داخل أندية المشاهدة للنساء الراغبات في متابعة مباريات المونديال، حتى لا يُحرم نصف المجتمع من متعة حدث يجتمع حوله العالم كله. كنت أؤمن، وما زلت، بأن الرياضة حق للجميع، وأن الفرح لا ينبغي أن يعرف تمييزاً.
واليوم، ونحن نتابع كأس العالم 2026، يعود ذلك الإحساس الجميل، ولكن هذه المرة يحمل اسماً عربياً عزيزاً… مصر.
لقد قدّم المنتخب المصري نموذجاً يُحتذى في الالتزام والانضباط والإصرار. لعب لاعبوه بمسؤولية، وبروح المقاتلين، وبإيمان لا يتزعزع بأن الأحلام تتحقق بالعمل لا بالأماني.
ومع كل مباراة، كان جيل محمد صلاح وعمر مرموش وإمام عاشور يكتب صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية، حتى جاء التأهل التاريخي إلى دور الستة عشر، فخرجت القاهرة عن بكرة أبيها تحتفل، وتحولت شوارعها إلى لوحة من الفرح الخالص.
ولم يكن ذلك الفرح مصرياً فقط، بل كان فرحاً لكل عربي يؤمن أن نجاح أي بلد عربي هو إضافة إلى رصيدنا جميعاً.
لقد أعادت مصر إلينا شيئاً افتقدناه طويلاً… أعادت إلينا الابتسامة.
وفي زمنٍ أثقلته الحروب والانقسامات والأخبار المؤلمة، جاءت كرة القدم لتقول إن الشعوب ما زالت قادرة على أن تفرح، وأن تجتمع حول حلم جميل، وأن تصنع تاريخاً بالإرادة والعمل.
مبارك لمصر…
مبارك لشعبها العظيم…
ومبارك لهذا الجيل الذي أثبت أن الإنجاز لا يولد صدفة، وإنما تصنعه المسؤولية، والانضباط، والإيمان بالحلم.
وأقولها من القلب: عندما تنتصر الرياضة… ينتصر الإنسان.