
الوجع الذي لا يظهر في الأخبار
صوت وقضية: سنار أميرة موسى
ليست كل المآسي تُبث في نشرات الأخبار ولا كل الدموع تلتقطها عدسات الكاميرات فهناك وجع لا عنوان له ولا مراسل ينقله ولا كاميرا توثقه وجعٌ يسكن البيوت ويختبئ خلف الوجوه المتعبة ويأكل أرواح الناس بصمت…
في السودان اليوم لم تعد المعاناة خبرا طارئا بل أصبحت تفاصيل يومية يعيشها المواطن منذ أن يفتح عينيه حتى يغلقهما على أمل يومٍ أقل قسوة حرب أنهكت النفوس واقتصاد متاهلك بسبب مادمرته الحرب غلاء يلتهم ما تبقى من القدرة على الاحتمال حتى صار الإنسان يحارب في كل اتجاه ليحافظ فقط على كرامته.
كم من موظف يقف كل صباح أمام أسرته متظاهرا بالقوة بينما يعلم في داخله أن راتبه لم يعد يكفي أياما معدودة فيختار الصمت على أن يمد يده لأحد وكم من أمٍّ تؤجل وجبتها لتشبع أبناءها وتخفي دموعها حتى لا يرى أطفالها انكسارها. وكم من أب يخرج كل يوم يبحث عن رزق ثم يعود مثقلا بخيبة جديدة يخشى أن يلتقي بعيني أطفاله فلا يجد جوابا لأسئلتهم البريئة.
وكم من مزارع ألقى في الأرض بذور عمره وسقاها من عرقه وأحلامه ثم جاءت الخسارة لتحصد مواسمه قبل أن يحصدها هو فبقي واقفا أمام أرضه لا يبكي الزرع وحده بل يبكي عمرا ضاع في انتظار حصاد لم يأتِ. هذه ليست قصصا فردية بل حكاية وطن بأكمله أوجاع لا تتصدر العناوين لكنها مرسومة على الوجوه وفي نظرات العابرين وفي الصمت الطويل الذي أصبح لغة الناس.
إنها معاناة لا تُقاس بالأرقام بل بحجم الأحلام التي ماتت قبل أن تولد. والأشد وجعا أن هناك من يتألم في صمت لا لأنه لا يحتاج بل لأنه يخشى أن تهتز كرامته. فالمتعففون يعيشون بيننا يحملون أوجاعهم في صدورهم، ويبتسمون رغم أن الجوع والحرمان ينهشان أرواحهم.
السودان ليس وطنًا فقيرا لكنه وطن أنهكته الأزمات. وما يحتاجه اليوم ليس إعادة إعمار الحجر وحده بل إعادة إنقاذ الإنسان. فالعلاج حق والتعليم حق والعيش الكريم حق ولا ينبغي أن تتحول هذه الحقوق إلى أمنيات بعيدة المنال. كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحده، بل هي مسؤولية مجتمع كامل على القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وأهل الخير وكل من يملك القدرة على أن يخفف وجعا أو يصنع أملا. فالأوطان لا تُبنى بالقرارات فقط وإنما بالتكافل والرحمة والإحساس بالآخر. فالوجع الذي لا يظهر في الأخبار… هو الوجع الحقيقي. لأنه لا يطلب تعاطفًا بل ينتظر من يسمعه ومن يمد له يدا تعيد إليه شيئا من الأمل وتؤكد له أنه ما زال في وطن لا ينسى أبناءه.