صافرة النهاية… حين يسقط الباطل ويبقى الوطن

بقلم: د. شذى الشريف

مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

 

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بعدد المعارك، وإنما بما تُحدثه من تحول في الوعي والإرادة. وما جرى في محور شمال كردفان يمثل، في نظر كثيرين، محطة فارقة في مسار الحرب، ورسالة بأن الصراعات مهما امتدت، فإنها لا تدوم إلى الأبد.

 

بعد الخسائر التي مُنيت بها قوات الدعم السريع في هذا المحور، خرج قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) بخطاب يدعو فيه قواته إلى التوجه نحو الخرطوم من جديد. غير أن مثل هذه الدعوات، في نظر كثيرين، تصطدم بواقع الميدان وبالتحولات التي فرضتها مجريات القتال، إذ إن الشعارات وحدها لا تغيّر الوقائع، ولا تعيد ما حسمته المعارك على الأرض.

 

ثمن الحرب ومسؤولية التاريخ

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهذه الحرب؛ سالت دماء الأبرياء، وتشردت الأسر، وفقدت البلاد كثيراً من مقدراتها. ولهذا فإن كل من ساهم في إذكاء الصراع، أو دعمه بالمال أو السلاح أو الخطاب السياسي والإعلامي، يتحمل أمام التاريخ مسؤوليته الأخلاقية والسياسية عما أصاب الوطن من مآسٍ.

 

قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. إنها حقيقة تتكرر عبر التاريخ؛ فقد يعلو الباطل زمناً، لكنه لا يملك أن ينتصر إلى الأبد، لأن الحق يستمد قوته من عدالة قضيته، ومن صبر أهله، ومن وعد الله الذي لا يتخلف.

 

صمود العاصمة وإرادة البقاء

إن الخرطوم التي صمدت في وجه المحنة لا تحتاج إلى دعوات تعيدها إلى دائرة الحرب، بل تحتاج إلى الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار. أما الرهان على استعادة المشهد بالشعارات بعد الهزائم العسكرية، فهو رهان لا يغير من حقائق الواقع شيئاً.

 

وسيظل السودان أكبر من كل مشاريع التمزق والانقسام، وأقوى من كل من راهن على سقوطه أو دعم استمرار الحرب. وستبقى إرادة السودانيين في الحفاظ على وطنهم أقوى من رهانات الخارج ومن حسابات السلاح.

 

التطلع إلى المستقبل

لقد آن أوان أن تُطوى صفحة الحرب، وأن يبدأ السودان مرحلة جديدة تُستعاد فيها مؤسسات الدولة، ويُعاد إعمار ما دمرته الحرب، ويُكرَّم فيها كل من صبر وضحّى من أجل بقاء الوطن.

 

وسيكتب التاريخ أن السودان مرّ بمحنة قاسية، لكنه نهض بإرادة أبنائه، وأن الوطن بقي، بينما رحلت كل مشاريع الفوضى.

 

وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.