
الحوار السوداني.. أسئلة مشروعة وأزمة ثقة
حروف مبعثرة : خضر مسعود
منذ إعلان اللجنة التمهيدية للحوار السوداني-السوداني، برئاسة البروفيسور قاسم بدري، في الثلاثين من أغسطس المنصرم، في مؤتمر صحفي، عن نفسها وأهدافها، وأنها مبادرة وطنية مستقلة لتهيئة المناخ وتمهيد الطريق لحوار سياسي مباشر، ومباشرة الاتصالات مع القوى السياسية والمدنية لإنهاء الحرب في البلاد، انهالت التحليلات والتأويلات بين قادح ومادح للدعوة إلى الحوار، ولمن هم المستهدفون بالحوار.
دعونا نقف قليلاً عند اللجنة نفسها؛ فالأشخاص الذين يمثلونها هم خبراء وأكاديميون سودانيون معروفون، ولهم تاريخهم في البلاد، ولا أحد لديه اعتراض على هذه الشخصيات، لكن الأهم من أسماء أعضاء اللجنة هو أن ننظر إلى الظرف الذي انطلقت فيه الدعوة إلى الحوار.
فهناك مبادرات عديدة في عدد من الدول، بداية بجدة، مروراً بالقاهرة وسويسرا والمنامة وأديس أبابا وغيرها من المنابر التي تناولت المشكلة السودانية وسعت إلى حلها. ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يمكن أن تضيفه هذه المبادرة إلى كل المبادرات والمسارات السابقة؟ وهل تستطيع اللجنة أن تقدم مقاربة مختلفة تجعل الحوار هذه المرة أكثر قابلية للنجاح؟
أعتقد أن الدعوة إلى الحوار من شخصيات قومية مقبولة شكلياً، لكنها ستواجه بالعديد من التعقيدات، ليس بسبب الأشخاص، وإنما بسبب البيئة السياسية والأمنية التي انطلقت فيها المبادرة.
مثلاً، هذه اللجنة تتخذ من الخرطوم مقراً لها، وتباشر مهمتها من هناك، وتدعو إلى الحوار، كما أنها طالبت الدولة بضمانات تتعلق بسلامة المشاركين في الحوار حال قبول الأطراف السياسية بالحوار، وضمان سلامتهم.
لكن النقطة الجوهرية هي أن واحدة من أكبر الأزمات في السودان هي أزمة الثقة. فلا تتوفر الثقة بين الأطراف المختلفة، وهذه ليست مسألة ثانوية يمكن تجاوزها بمجرد الدعوة إلى الجلوس حول طاولة واحدة، وإنما هي أزمة متراكمة نتيجة الحرب وما سبقها من صراعات سياسية.
ولهذا، فإن مجرد الإعلان عن الحوار لا يعني بالضرورة أن الأطراف ستستجيب له؛ فقبل أن يثق الناس في مخرجات أي حوار، لابد أن يثقوا أولاً في الجهة التي تدير الحوار، وفي شروط المشاركة فيه، وفي أن نتائجه لن تكون محسومة سلفاً.
ومن هنا جاءت مواقف البعض الرافضة للحوار جملة وتفصيلاً في الداخل قبل انطلاقه. وقد يكون من السهل وصف هذه المواقف بأنها رفض للحوار، لكن الأهم هو البحث عن أسباب هذا الرفض: هل هو رفض لمبدأ الحوار، أم رفض لطريقة إدارته ومكان انعقاده والجهة التي تقف خلفه؟
ثانياً، إن الدعوة إلى الحوار تمت في ظل الحرب الدائرة بين الجيش والدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات. وما يزيد الأمر تعقيداً أن الحوار يتم في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش، وهي أيضاً معضلة تواجه الحوار.
فالمكان في مثل هذه الظروف ليس مجرد تفصيل لوجستي، وإنما يمكن أن يتحول إلى جزء من السياسة نفسها. فالطرف الذي يشعر أن الحوار يعقد في منطقة نفوذ خصمه قد ينظر إليه باعتباره حواراً غير متكافئ، حتى وإن أعلنت اللجنة استقلالها.
وإعلان الحكومة، ممثلة في وزير العدل، عن إسقاط التهم في مواجهة الذين دعموا أو ناصروا الدعم السريع خطوة يمكن أن تساعد في تهيئة المناخ، لكنها ليست كافية وحدها لإزالة المخاوف. ففي ظل استمرار الحرب، يمكن أن يتحول الحوار إلى أداة لإدارة الحرب سياسياً بدلاً من إنهائها، أو إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين الشرعية بين أطراف الصراع، بدلاً من أن يكون طريقاً لإنهاء الصراع نفسه.
وهنا يجب أن يكون الهدف واضحاً منذ البداية: هل الحوار جاء لإنهاء الحرب، أم لإدارة آثارها، أم لإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد الحرب؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، لأنها تحدد طبيعة الحوار ومخرجاته.
ثالثاً، قبل بداية أي حوار تشارك فيه أطراف تحمل السلاح، لابد أن يسبقه وقف لإطلاق النار بموافقة الطرفين. فمن يضمن وقف إطلاق النار؟
قد يقول قائل إن وجود الاتحاد الأفريقي يمكن أن يوفر ضمانة، ولكن التجربة منذ بداية الحرب تقول إن دعوات الهدنة ووقف إطلاق النار ظلت تراوح مكانها، بينما استمرت المعارك.
لذلك فإن أي حديث عن حوار جاد لا بد أن يترافق مع آلية واضحة لوقف إطلاق النار وحماية المشاركين، وإلا فإن الحوار سيظل محكوماً بإيقاع المعارك على الأرض، وسيظل كل طرف ينظر إلى الحوار باعتباره امتداداً للصراع بوسائل أخرى.
المطلوب لإنجاح أي حوار لحل الأزمة السودانية أن توجد رغبة أكيدة لدى الجيش والدعم السريع، باعتبارهما القوتين اللتين تحملان السلاح الآن، في إنهاء الحرب، وأن يكون الإعلان من الحكومة السودانية، ممثلة في رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، باعتباره رأس الدولة، بأن الدعوة إلى الحوار هدفها إيقاف الحرب وإعادة إعمار البلاد وفتح الطريق أمام عملية سياسية لا تستثني السودانيين.
لكن في المقابل، فإن إعلان الرغبة في الحوار لا يكفي؛ لأن المطلوب هو ضمانات سياسية حقيقية تجعل الأطراف تشعر بأن الحوار لن يكون مجرد مناسبة لتسجيل المواقف أو منح الشرعية لطرف على حساب آخر.
وفي ظل الحوار الحالي، تبرز عدة أسئلة يجب أن تجد إجابات شافية، مثل:
من يضع أجندة الحوار؟
من يختار المشاركين؟
من يحدد شروط المشاركة؟
من يضمن استقلاله؟
ومن يملك حق إعلان نتائجه؟
وهذه، في تقديري، أخطر نقطة في المشهد.
فالحوار لا يكتسب شرعيته من انعقاده فقط، وإنما من الطريقة التي تتم بها إدارته، ومن قدرة المشاركين على التأثير في أجندته ومخرجاته. فإذا كانت الأجندة معدة سلفاً، أو كانت قائمة المشاركين محددة وفق معايير غير واضحة، فإن الحوار يمكن أن يتحول إلى مجرد منصة لإعلان مواقف، وليس حواراً حقيقياً يبحث عن تسوية.
وبجانب كل هذه الأسئلة، إلى ماذا يهدف هذا الحوار؟
هل الهدف البحث عن صيغة لإنهاء الحرب؟
أم هو لتحديد من يحكم السودان؟
أم تأسيس مرحلة انتقالية جديدة؟
أم إعادة بناء الدولة السودانية على أسس سياسية جديدة؟
الحرب الدائرة جعلت الإجابة أكثر تعقيداً، لأن السودان بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. ولذلك فإن الحوار الجاد لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: من يحكم السودان؟ وإنما يجب أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكبر: كيف يُحكم السودان؟
والحوار الجاد يمكن أن يعيد إنتاج مركز سياسي مدني يستطيع أن يقول: لا الجيش وحده يمثل السودان، ولا الدعم السريع وحده يمثل السودان، ولا الأحزاب وحدها تمثل السودان، بل المجتمع السوداني بمختلف مكوناته.
فهل توجد إرادة لتحقيق ذلك؟
وهل تستطيع اللجنة أن تجمع حول طاولة واحدة أطرافاً تختلف في رؤيتها للحرب وللدولة وللمستقبل السياسي؟
هذه هي المعركة الحقيقية أمام اللجنة، لأن جمع الناس حول طاولة واحدة أسهل كثيراً من الوصول إلى اتفاق بينهم على مستقبل البلاد.
ومن هنا تأتي قضية شمول الحوار.
إذا كان الحوار سودانياً-سودانياً، فإن كلمة “سوداني” يجب ألا تتحول إلى عنوان فضفاض، بل يجب أن تكون لها ترجمة عملية في قائمة المشاركين. فمن يشارك؟ ومن يستثنى؟ وما المعايير التي تحدد ذلك؟
هل تشمل المشاركة القوى السياسية والمدنية؟ والحركات المسلحة؟ والإدارات الأهلية؟ والشباب والنساء؟ والقوى التي تقف مع الجيش؟ والقوى التي تقف ضد الحرب؟ والقوى التي تتخذ موقفاً مستقلاً من طرفي الصراع؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون واضحة، لأن استثناء أي طرف دون معايير معلنة سيعيدنا مرة أخرى إلى أزمة الثقة التي تمثل أصلاً واحدة من أكبر العقبات أمام الحوار.
واحدة من الأزمات التي تواجه اللجنة التمهيدية مستقبلاً هي تصريحات أعضائها.
لابد أن تضبط اللجنة تصريحات أعضائها، وألا يدلي أي عضو بتصريح لمجرد أنه عضو فيها، خصوصاً أن أي تصريح يصدر من أحد أعضائها لن يُنظر إليه باعتباره رأياً شخصياً فقط، وإنما سيُفسر على أنه موقف للجنة نفسها.
ففي واحد من التصريحات التي أثارت حفيظة الكثيرين، أدلى به أحد أعضاء اللجنة، بأن بعض الجهات لن تشارك في الحوار. وهذا تصريح خطير يمكن أن ينسف عمل اللجنة الوطنية قبل انطلاقتها.
ففي المؤتمر الصحفي أعلنت اللجنة أن الحوار يشمل جميع السودانيين، ولا يوجد في هذا الإعلان استثناء واضح لأي طرف. وبالتالي فإن الحديث عن وجود جهات لن تشارك يخلق تناقضاً بين ما أعلنته اللجنة رسمياً وما يقوله أحد أعضائها.
وتصريح العضو ينسف هذه الدعوى بأن هناك أطرافاً لن تشارك، وهنا تكمن المشكلة الأكبر، وتعيدنا إلى أزمة الثقة التي تحدثنا عنها آنفاً.
فاللجنة، قبل أن تطلب من الأطراف المختلفة أن تثق فيها، مطالبة أولاً بأن تقدم نموذجاً واضحاً للانضباط والشفافية والاتساق في خطابها.
وفي النهاية، لا أعتقد أن المشكلة في فكرة الحوار نفسها؛ فالسودان في حاجة إلى الحوار أكثر من أي وقت مضى. المشكلة في كيف يبدأ الحوار، ومن يديره، ومن يشارك فيه، وما الذي يسبقه، وما الذي يريد الوصول إليه.**
فإذا كان الحوار هو الطريق إلى إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وإقامة مرحلة سياسية تستوعب الجميع، فهذه خطوة تستحق الدعم والمساندة.
أما إذا كانت هناك أطراف مستثناة سلفاً، أو كانت النتائج محددة قبل أن يجلس المشاركون، أو أصبح الحوار مجرد واجهة سياسية لواقع عسكري قائم، فإني أعتقد أن كل الذي يجري مجرد (طق حنك).