بشارة سليمان نور: اجتماع نيروبي.. دعاية إعلامية لا تغير من الواقع العسكري في السودان

حوار : خضر مسعود
سياسي من الطراز الفريد، يقول الحق ولو على نفسه، وكان له تأثير واضح خلال الحرب الدائرة في السودان. الأستاذ بشارة سليمان نور عبد الرحمن، مستشار رئيس حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم، كان أول من أعلن وقوفه إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد مليشيا الدعم السريع. وهو قيادي وحدوي من الطراز الأول وصاحب معلومات عميقة حول مدار السياسية السودانية داخلياً وخارجياً.
بشارة سليمان رجل ذو دراية عميقة بتعقيدات الجوار الإفريقي الغربي وتأثيره على مجريات الحرب، مما جعله شاهداً على الأحداث منذ بداياتها. في هذا الحوار مع صحيفة “ألوان”، يكشف بشارة سليمان عن تفاصيل تأثير دول الجوار على مجريات الأحداث.
كيف تقرأ تاثير اجتماع نيروبي على مجملة الاوضاع بالبلاد وموقف دول الجوار من الحكومة الموازية؟
تؤثر دول الجوار بشكل مباشر على الأوضاع في السودان، خاصة في ظل التوقيع الذي جرى في نيروبي، والذي كان متوقعًا أن يتم خلاله الإعلان عن حكومة موازية، خصوصًا بعد التصريحات التي تحدثت عن أن هناك ست دول ستشهد التوقيع وتعترف بها، ومن بينها كينيا، يوغندا، جنوب السودان، وحتى تشاد. من المعروف أن بعض الدول الأفريقية يمكن أن تعترف بأي كيان سياسي مقابل بعض الرشاوى، كما أنها قد تسحب اعترافها إذا دفعت الحكومة السودانية أكثر. وهذه الدول، في واقع الأمر، ليست ذات تأثير كبير.
هناك دول متورطة في الحرب، وتبحث الآن عن مخارج، مثل تشاد، يوغندا، كينيا، وإفريقيا الوسطى، وحتى جنوب السودان، الذي أظهر في مواقفه الأخيرة دعمًا واضحًا لقوات الدعم السريع، رغم أن ذلك يشكل تهديدًا له. فرغم أن كوال ميونق صرّح بأن معظم سكان جنوب السودان ينتمون لقبائل حدودية، إلا أن من الغريب أن جزءًا كبيرًا منهم الآن يدعم قوات الدعم السريع، ومن بينهم قيادات مثل نائب سلفاكير، بول ميل، الذي يتفق مع الدعم السريع في مواقفه، رغم أن ذلك يشكل خطرًا على دولة جنوب السودان نفسها. ومع ذلك، فإن الرئيس سلفاكير لا يدعم هذا التوجه، لكن جزءًا كبيرًا من حكومته يقف إلى جانب الدعم السريع، وهو أمر قد يعود عليهم بالضرر مستقبلاً.
إلى أي مدى يمكن أن تؤثر مواقف هذه الدول في إطالة أمد الصراع في السودان، وهل يمكن أن يتغير موقفها إذا تبدلت موازين القوى على الأرض؟
أما ما يحدث في كينيا، فهو مجرد دعاية إعلامية لا أكثر، ولن يترتب عليه شيء حقيقي، بل سينتهي بانتهاء الحفل. الأمر الأكثر غرابة هو موقف عبد العزيز الحلو، حيث يقال إنه تلقى أموالًا مقابل حضوره الحفل، وهو ما ظهر في ردود الفعل الغاضبة داخل الحركة الشعبية نفسها، حيث رفض العديد من أعضائها مشاركته، وشنوا حملة ضده. وربما يحصل على نصيبه من المال ويعود إلى مناطقه، لكن معظم أبناء النوبة يرفضون هذا التوقيع، خاصة أن قوات الدعم السريع قد عذبتهم في السابق.
أما الرئيس الكيني، وليم روتو، فيواجه مشكلات اقتصادية في بلاده، حيث حاول فرض ضرائب جديدة العام الماضي، لكن المظاهرات كادت أن تطيح به، فاضطر إلى سحبها من الموازنة. الآن، يعاني من ضائقة مالية، ولجأ إلى الإمارات لدعم ميزانيته، كما أن حميدتي كان قد دعم حملته الانتخابية في 2023 بمبلغ 10 ملايين دولار، عبر رجل الأعمال أحمد دنيار، الذي قدم حميدتي لروتو وسهل له تمويل الانتخابات. حاليًا، هناك ضغوط كبيرة على روتو من الاتحاد الإفريقي والإيقاد وبعض الدول الأفريقية، لكنه يجد نفسه متورطًا بسبب ارتباطه السابق بالدعم السريع، إضافة إلى أن جزءًا من الذهب المهرب من السودان يدخل إلى كينيا.
أما إثيوبيا، فلم تدعم التوجه نحو تشكيل حكومة موازية، بحجة الحفاظ على استقرار السودان، فيما يظل موقفها من التوقيع في نيروبي ضبابيًا. أما الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، الذي بقي في السلطة 40 عامًا، فهو يتاجر بالأزمات، ويدعم قوات الدعم السريع بشكل واضح، حيث يوجد عدد كبير من أفرادها وأسرهم في أوغندا. كما أنه كان يمرر الأسلحة إلى تشاد لدعمهم، لكن هذا الأمر قد يتحول إلى أزمة كبيرة داخل أوغندا نفسها، لذا يحاول التغطية عليه بالحديث عن السلام والمواقف الإنسانية.
فيما يخص تشاد، فهي تدعم فكرة تشكيل حكومة موازية، حيث زارها سليمان صندل وتقد، وحاولا الحصول على دعم لها. ومن المحتمل أن يعترف الرئيس التشادي، محمد كاكا، بهذه الحكومة المزعومة، لكنه بذلك سيفتح الباب أمام أزمة كبيرة في بلاده. فمن خلال معرفتي بتشاد، يمكنني القول إن كاكا سيدفع ثمن مواقفه هذه، ولن يستمر في السلطة، لأن القيادات السياسية التشادية لها موقف واضح ضد دعمه لقوات الدعم السريع، ووقوفه ضد السودان. ويرى كاكا في دعم الحكومة الموازية مخرجًا من ورطته الحالية.
أقول ذلك لأن كاكا يتوقع حدوث تسوية، بدليل أنه أرسل مدفعيته لدعم الجنجويد في المصفاة، وأثناء حواري مع أحد قادة الماهرية من أجل التفاوض والصلح، وافق على الاستسلام، لكن بشرط أن يُسمح له بإخراج الجنود التشاديين الذين أرسلهم كاكا لدعم الجنجويد، بالإضافة إلى الجنود الليبيين الموجودين هناك.
بشكل عام، فإن هذا التوقيع مليء بالتناقضات، وسينتهي الحفل دون أن يجتمع هؤلاء مرة أخرى. أما ما يهمنا الآن في السودان، فهو الانتصارات الكبيرة التي يحققها الجيش على جميع المحاور. وأتوقع أن تكون الخرطوم خالية تمامًا من التمرد قبل رمضان المقبل أو مع بدايته، حيث يشهد الدعم السريع انهيارًا تامًا في الوسط. اليوم، دخل الجيش مدينة القطينة، وهو يواصل تقدمه في الأبيض والدبيبات، كما تتحرك قواته من كادقلي نحو الأبيض والنهود، ما يجعل الطريق نحو بورتسودان سالكًا بالكامل. وفي الشمال، هناك تحرك عسكري نحو الفاشر، بينما يتحرك متحرك “الصياد” باتجاه نيالا والفاشر.
أتوقع أن ينتهي التمرد قريبًا، وربما يفتح عبد العزيز الحلو مناطقه لتصبح ملاذًا لهم. وإذا استمر جنوب السودان في دعم الجنجويد لغزو السودان، فإن ذلك سيعود عليه بضرر كبير، وقد يشكل تهديدًا مباشرًا لدولته نفسها.
كيف تقرأ موقف الرئيس التشادي الحالي، محمد إدريس ديبي، من الحرب في السودان؟
أنا مستغرب جدًا من موقف الرئيس التشادي الحالي، محمد كاكا (إدريس ديبي الابن)، الذي أراه غريبًا وغير متزن. لكن المرجّح أن قلة خبرته السياسية وضعف تعليمه وسنّه الصغيرة لم تمنحه الحكمة الكافية لاتخاذ الموقف الصحيح. منذ بداية الحرب، تم تقديم النصح له بعدم التدخل في الصراع الدائر، وكنا من بين الذين نصحوه بذلك. وفي البداية، كان موقفه إيجابيًا، لكنه تغيّر لاحقًا بسبب الإغراءات المالية الكبيرة التي قدمها له من الدعم السريع.
وللعلم، فإن قوات الدعم السريع، بقيادة آل دقلو، تمتلك أموالًا طائلة لا يمكن تخيّلها، ومن بين الصفقات التي قادها عبد الرحيم دقلو، والتي تُعدّ من الأسباب الرئيسية للحرب، تمكن من تهريب ثمانية أطنان من الذهب.
ماهي تلك الصفقة ومن شارك فيها؟
وللمرة الأولى، أُفصح عن تفاصيل هذه الشحنة، حيث كانت محمولة على ثماني عربات محمّلة بالذهب. وصلتني معلومات من مصادر موثوقة أن هذه الشحنة تم ضبطها في منطقة مليط، وكانت القوة التي أوقفتها تتبع للطاهر حجر. لكن، وبضغط منه، سُمح بمرورها، لتدخل الأراضي الليبية لاحقًا، وهناك، تم التنسيق مع إدريس يوسف بوي، مدير مكتب الرئيس التشادي محمد كاكا، الذي أرسل مجموعة عسكرية لاستلام العربات وإدخالها إلى انجمينا.
وبحسب مصادري، فقد تم تقسيم الذهب داخل انجمينا، حيث حصلت قوات الدعم السريع على طُنين، بينما استلم الرئيس التشادي وإدريس بوي ستة أطنان، ولا أعلم كيف تم توزيعها لاحقًا. لكن هذه الشحنة كانت السبب الرئيسي لتغير موقف محمد كاكا تجاه الحرب في السودان، إلى جانب الإغراءات التي قدمتها بعض الدول الداعمة للصراع.
من هم “عرب الشتات” الذين ينحدر منهم حميدتي وأسرته؟
لفهم التقاطعات العجيبة بين القبائل في السودان وتشاد، لا بد من الرجوع إلى التاريخ. فمعظم القبائل التي يُطلق عليها “عرب الشتات” كانت في الأصل متواجدة في تشاد، لكن لديها امتدادات في دول عدة، منها السودان، نيجيريا، النيجر، الكاميرون، وإفريقيا الوسطى.
تكوّنت قبائل “عرب الشتات” في سبعينيات القرن الماضي عقب الحروب الأهلية التشادية، وبدعم ليبي مباشر، عندما استلم حسين حبري السلطة عامي 1981 و1982، كان الانتماء العربي في تشاد بمثابة جريمة، بغض النظر عن دعم الشخص لأي طرف. تعرض العرب هناك لمجازر وإبادات جماعية انتقامًا لدورهم في الحكم السابق، وتم فرض ضرائب باهظة عليهم تحت مسمى “ضريبة المجهود الحربي”، ونتيجة لذلك، اضطرت أعداد كبيرة من العرب إلى النزوح نحو ليبيا والنيجر وإفريقيا الوسطى، هربًا من بطش نظام حبري. وفي ليبيا، منحهم الرئيس معمر القذافي الجنسية العربية، كما أنشأ ست مجموعات قتالية عربية لمحاولة استعادة السيطرة على تشاد. ومن المفارقات أن هذه القبائل كانت الطرف الأساسي في الحروب بين ليبيا وتشاد، كما شاركت لاحقًا في النزاعات الداخلية الليبية إلى جانب القذافي.
جزء كبير من المقاتلين الذين انضموا إلى الصراع في السودان بجانب قوات الدعم السريع ينحدرون من هذه المجموعات، زومعظم هؤلاء المقاتلين جاءوا من النيجر، بعد أن فروا في الأصل من تشاد. هذا التداخل العرقي والتاريخي بين هذه القبائل جعل الصراع أكثر تعقيدًا.
الصراع حول الأرض في دارفور بين القبائل العربية والقبائل الأصلية – هل هناك تهجير قسري؟
لا يوجد تهجير رسمي ومعلن، لكن الحقيقة أن المجموعات التي دخلت السودان خلال العقود الماضية استوطنت في مناطق جديدة بسبب تضاعف أعداد ماشيتها، مما زاد من حاجتها إلى أراضٍ للرعي. لم يكن هناك خيار سوى الاصطدام بأصحاب الأرض الأصليين، ما أدى إلى نشوب صراعات دموية، خاصة في غرب دارفور، حيث تم تهجير قبائل المساليت إلى مناطق مثل الجزيرة والقضارف، بينما استولى العرب على أراضيهم.
في وسط دارفور، تعرضت قبائل الفور أيضًا للتهجير إلى مناطق أخرى. وساعد في ذلك اندلاع حرب دارفور عام 2003، حيث أدى دعم الدولة للمليشيات العربية إلى تسريع هذه العمليات.
لكن لا يمكن إنكار أن هناك قبائل عربية أصيلة في دارفور لم تأتِ من الخارج، مثل: البني هلبة، الرزيقات، المسيرية، الهبانية، التعايشة وبعض فروع المحاميد، أما قبائل الماهرية، فلم يكن لها وجود في المنطقة إلا في السنوات الأخيرة، حيث دخلت بقوة السلاح.
ومن المعروف أن الأراضي في دارفور مقسمة بين القبائل وفقًا لنظام “الحواكير”، الذي يحدد مناطق سيطرة كل قبيلة وسلطاتها الأهلية عبر العُمد والنُظار والسلاطين. فمثلًا، هناك: دار زغاوة، دار مساليت، دار فور (الفور)، دار ميدوب، دار برقد وغيرهاـ هذا النظام كان مستقرًا تاريخيًا، لكنه تعرض لهزّات عنيفة نتيجة للحروب والصراعات الأخيرة.
كيف تقرأ المستقبل السياسي للسودان والدول المجاورة؟
الاستقرار مهم لجميع هذه الدول، لأن أي اضطراب في واحدة منها يؤثر مباشرة على جيرانها. فمن المعروف أن أي حكومة تسعى لتوفير الخدمات لمواطنيها تحتاج إلى استقرار داخلي. وفي السودان، يُعد استقرار تشاد مسألة حيوية، لا سيما فيما يتعلق بالتبادل التجاري، لأن تشاد تعتمد على ميناء بورتسودان وميناء دوالا الكاميروني.
على الرغم من رفض ما يقوم به الرئيس التشادي الحالي، محمد كاكا، إلا أن استقرار تشاد مرتبط باستقرار دارفور والسودان ككل. ولهذا، يجب إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع تشاد.
أما فيما يتعلق بليبيا، فإن وجود حفتر في الجنوب الشرقي يُعدّ أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الحرب في السودان. إذ أنه يدعم قوات الدعم السريع بقيادة ابنه صدام حفتر، الذي يسعى حاليًا إلى صيانة بعض المطارات الليبية لدعم قوات الجنجويد، خاصة في منطقة مطاعم سارة بالصحراء الليبية. لهذا، فإن وجود حكومة منتخبة ومستقرة في ليبيا سيكون في مصلحة السودان.
إفريقيا الوسطى أيضًا تعاني من غياب الدولة في مناطقها الشرقية والشمالية المتاخمة للسودان وتشاد. هذا الغياب الأمني أتاح فرصة لدعم الجماعات المسلحة في تلك المناطق، وهو ما يجب معالجته عبر علاقات إقليمية أكثر توازنًا.
واحدة من أكبر التحديات المستقبلية في تشاد هي احتمالية عودة مقاتلي الجنجويد إليها، حيث صرّح بعضهم صراحة بأنهم يعتزمون العودة للسيطرة على الحكومة التشادية، مما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد مجددًا.