تشكيل حكومة موازية في السودان.. وتعميق الأزمة

تقرير: خضر مسعود

في خطوة من شأنها تعميق الانقسام السياسي في السودان، وقّعت قوات الدعم السريع إلى جانب 23 كيانًا سياسيًا وعسكريًا، مساء السبت، ميثاقًا تأسيسيًا لتشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وحسب الموقعين، يهدف الميثاق التأسيسي إلى تشكيل حكومة “سلام” تُعنى بمعالجة الأسباب الجذرية للحروب، وتحقيق السلام، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتوحيد السودانيين، والحفاظ على وحدة البلاد على أسس طوعية.

وحدد الميثاق مهام الحكومة المرتقبة، والتي تشمل وقف الانتهاكات ضد المدنيين والمرافق العامة، واستعادة الحقوق الدستورية، بما في ذلك توفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وأمن، إلى جانب استعادة الحكم المدني.

ورغم إعلان الميثاق نيّته العمل على إنهاء تعدد الجيوش وتأسيس جيش وطني مهني يعبر عن كافة السودانيين، فإن رئيس الحركة الشعبية – شمال، عبد العزيز الحلو، استبعد خلال مقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية” إمكانية دمج مقاتلي الفصائل الموقعة في جيش موحد، مشددًا على أن ذلك لن يتحقق إلا بعد توقيع اتفاق سلام شامل يضم الحكومة السودانية في بورتسودان.

إثارة قضية تقرير المصير

نصّ الميثاق على مبادئ أساسية، من بينها تأسيس دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، دون تبني هوية ثقافية أو عرقية أو دينية محددة، كما شدد على عدم السماح بتأسيس تنظيمات سياسية على أسس دينية.

كما أقرّ الميثاق بحق الشعوب في ممارسة تقرير المصير في حال عدم الاعتراف بالعلمانية في الدستور الانتقالي والدستور الدائم، أو في حال انتهاك أي من المبادئ الأساسية.

وتسعى القوى الموقعة على الميثاق إلى صياغة دستور انتقالي وتشكيل حكومة تدير المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مما يفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات في المشهد السوداني.

ويعد توقيع الميثاق التأسيسي لتشكيل حكومة موازية بين قوات الدعم السريع وحلفائها تطورًا بالغ الأهمية في الأزمة السودانية المستمرة منذ أبريل 2023. تعكس هذه الخطوة تعقيد المشهد السياسي والعسكري، وتطرح تساؤلات حول مستقبل وحدة السودان، وإمكانية تحقيق السلام، وتأثيرها على موازين القوى داخليًا وإقليميًا.

التداعيات السياسية: تصعيد الانقسام الداخلي

ويرى مراقبون أن تشكيل حكومة موازية يعزز حالة الاستقطاب السياسي في السودان، في ظل وجود حكومة بورتسودان بقيادة الجيش السوداني، والتي تحظى باعتراف دولي أوسع وتأيد شعبي في أغلب ولايات البلاد، مقابل حكومة “السلام” المزمع تشكيلها من قبل الدعم السريع وحلفائه، والتي تعتمد على سيطرتها الفعلية على الأرض في دارفور وأجزاء متفرقة.

هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي، حيث ستجد الأحزاب السياسية والقوى المدنية نفسها مضطرة للاختيار بين المعسكرين، مما يضعف فرص التوافق الوطني.

المخاطر الأمنية والعسكرية: احتمال نشوب صراع طويل الأمد

وحسب المراقبون إن إعلان الميثاق عن تشكيل حكومة موازية يعكس نية قوات الدعم السريع ترسيخ سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها، مما قد يؤدي إلى: تعزيز المواجهات العسكرية مع الجيش السوداني، خاصة في المناطق المتنازع عليها، نشوء تحالفات جديدة بين الفصائل المسلحة، قد تعيد رسم خريطة الصراع في السودان، زيادة التدخلات الخارجية، حيث قد تجد بعض الدول مصلحة في دعم طرف لضمان نفوذها في المنطقة.

ورغم النص على “إنهاء تعدد الجيوش” وبناء جيش وطني، فإن تصريحات عبد العزيز الحلو الرافضة لدمج الفصائل المسلحة قبل توقيع اتفاق سلام شامل تعكس صعوبة تحقيق هذا الهدف على أرض الواقع، مما يعني استمرار الفوضى العسكرية لفترة طويلة.

المخاوف من التقسيم: هل يعيد السودان تجربة جنوب السودان؟

أحد أخطر البنود في الميثاق هو الإقرار بحق تقرير المصير في حال عدم الاعتراف بالعلمانية في الدستور. هذا الطرح يعيد إلى الأذهان تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011، والذي بدأ بمطالب مماثلة حول العلمانية والفصل بين الدين والدولة.

معظم الموقعين على الميثاق من دارفور وكردفان، وهي مناطق لديها تاريخ طويل من النزاعات مع المركز في الخرطوم. إذا لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، فإن هذا الميثاق قد يُستخدم كمدخل قانوني وسياسي للمطالبة بالانفصال في المستقبل.

التأثير الإقليمي والدولي: صراع النفوذ في شرق ووسط إفريقيا

أثار توقيع الميثاق في نيروبي غضب الحكومة السودانية، التي اعتبرته إعلانًا غير مباشر لدعم كينيا لقوات الدعم السريع. هذا الأمر قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية بين السودان وجيرانه، خاصة: كينيا، التي قد تواجه ضغوطًا إقليمية ودولية لتوضيح موقفها من الصراع السوداني، إثيوبيا، التي قد تستفيد من ضعف السودان لتحقيق مكاسب في النزاعات الحدودية، دول الخليج، حيث تلعب الإمارات دورًا في دعم الدعم السريع، بينما تميل بعض الدول إلى دعم الجيش، مما قد يؤدي إلى تصعيد التنافس بين البلدين داخل السودان.

مستقبل السودان: السيناريوهات المحتملة

بناءً على المعطيات الحالية، وضع المراقبون تصورا لثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السودان في ظل هذا الميثاق. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الحرب وتقسيم فعلي للسلطة، حيث قد يصبح السودان عمليًا مقسمًا بين مناطق تحت سيطرة الجيش وأخرى تحت سيطرة الدعم السريع، مع استمرار المواجهات العسكرية بين الطرفين، مما يزيد من معاناة المدنيين، بالإضافة إلى فشل أي حل سياسي بسبب انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة.

أما السيناريو الثاني، فهو تسوية سياسية عبر مفاوضات دولية، يتم من خلالها التوصل إلى اتفاق جديد يشمل الطرفين تحت ضغوط دولية وإقليمية، مع دمج بعض الفصائل المسلحة في جيش وطني جديد وإعادة توزيع السلطة. ويظل هذا السيناريو مشروطًا بوجود إرادة حقيقية لدى الطرفين لإنهاء الحرب.

السيناريو الثالث هو تفكك السودان وانفصال مناطق جديدة، حيث قد يؤدي فشل الاتفاق على شكل الدولة إلى تصاعد مطالب تقرير المصير، مما يدفع الحركات المسلحة في دارفور وكردفان إلى التحرك نحو الانفصال كما حدث مع جنوب السودان، مما يؤدي إلى تحول السودان إلى دولة مجزأة، وهو ما سيعقد مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة.

محلل قانوني: المواقف السياسية في إثيوبيا ونيروبي عبثية وتفتقر للحكمة

وصف المحامي معز حضر التحركات السياسية الجارية في إثيوبيا ونيروبي بأنها مواقف عبثية وهزلية، مشيرًا إلى أنها تشبه “الكوميديا الإلهية” في ظل معاناة الشعب السوداني من التهجير والنزوح والأمراض. وأكد أن جميع الأطراف المتصارعة لا تستشعر حجم الأزمة الإنسانية، بل تسعى فقط لتحقيق مكاسب سياسية وسلطوية دون النظر إلى معاناة المواطنين. وأضاف حضر أن كل طرف يبحث عن شرعية وسلطة، موضحًا أن حكومة بورتسودان تحاول ترسيخ سلطتها عبر تعديل الوثيقة الدستورية التي فقدت شرعيتها منذ انقلاب أكتوبر 2021، بينما تسعى القوى السياسية المتحالفة مع الدعم السريع إلى كسب الشرعية عبر تشكيل حكومة موازية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي. وأكد أن هذه المحاولات لن تحقق السلام، بل تعكس غياب الوطنية والرؤية، وهو ما يدفع السودان نحو المجهول والتفكك. واعتبر أن غياب الحكمة والشجاعة لدى الأطراف المتصارعة أدى إلى فشل جميع الحلول المطروحة، داعيًا جميع القوى إلى التراجع عن الصراع والعودة إلى طاولة الحوار لتحقيق وقف إطلاق النار أولًا، ومن ثم البحث عن شرعية حقيقية لتشكيل حكومة وطنية، بدلًا من إضاعة الوقت في تعديلات دستورية ومواثيق لا تخدم المواطن. وحذر حضر من أن استمرار الحرب بمنحى جهوي وقبلي يزيد من خطورة تقسيم السودان، مشددًا على أهمية أن يضع العقلاء مصلحة الوطن أولًا قبل فوات الأوان.

 

بشارة سليمان: تحركات كينيا دعاية إعلامية وموقف الحلو مثير للجدل

ويرى القيادي بحركة العدل والمساواة بشارة سليمان أن ما يحدث في كينيا ليس سوى دعاية إعلامية لن يترتب عليها شيء حقيقي، بل ستنتهي بانتهاء الحفل. ويثير موقف عبد العزيز الحلو جدلًا واسعًا، حيث ترددت أنباء عن تلقيه أموالًا مقابل حضوره، ما أثار غضبًا داخل الحركة الشعبية، حيث رفض العديد من أعضائها مشاركته وشنوا حملة ضده. ومن المرجح أن يحصل على نصيبه من المال ويعود إلى مناطقه، غير أن معظم أبناء النوبة يرفضون هذا التوقيع، نظرًا لما تعرضوا له من انتهاكات على يد قوات الدعم السريع.

ويشير بشارة إلى أن الرئيس الكيني، وليم روتو، يواجه مشكلات اقتصادية في بلاده، إذ حاول فرض ضرائب جديدة العام الماضي، لكنه اضطر إلى سحبها تحت ضغط المظاهرات التي كادت أن تطيح به. ويعاني حاليًا من ضائقة مالية، ما دفعه إلى اللجوء إلى الإمارات لدعم ميزانيته، خاصة بعد أن دعم حميدتي حملته الانتخابية في 2023 بمبلغ 10 ملايين دولار، عبر رجل الأعمال أحمد دنيار، الذي ساهم في تقديم حميدتي لروتو وسهل له تمويل الانتخابات. وتتعاظم الضغوط على روتو من الاتحاد الإفريقي والإيقاد وبعض الدول الأفريقية، لكنه يجد نفسه متورطًا بسبب ارتباطه السابق بالدعم السريع، فضلًا عن دخول جزء من الذهب المهرب من السودان إلى كينيا.

أما إثيوبيا، فلم تدعم التوجه نحو تشكيل حكومة موازية بحجة الحفاظ على استقرار السودان، بينما لا يزال موقفها من التوقيع في نيروبي غامضًا. وفي المقابل، يتعامل الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، مع الأزمات من منطلق مصلحي، حيث يدعم قوات الدعم السريع بشكل واضح، مع وجود عدد كبير من أفرادها وأسرهم في أوغندا. كما كان يمرر الأسلحة إلى تشاد لدعمهم، لكن هذا الوضع قد يتحول إلى أزمة داخل أوغندا نفسها، ما يدفعه إلى التغطية عليه عبر الحديث عن السلام والمواقف الإنسانية.

أما تشاد، فتدعم فكرة تشكيل حكومة موازية، حيث زارها سليمان صندل وتقد في محاولة للحصول على دعم لها. ومن المحتمل أن يعترف الرئيس التشادي، محمد كاكا، بهذه الحكومة المزعومة، لكنه بذلك قد يفتح الباب أمام أزمة كبيرة في بلاده. فبحسب معرفتي بتشاد، فإن كاكا قد يدفع ثمن هذه المواقف، وقد لا يستمر طويلًا في السلطة، خاصة أن القيادات السياسية التشادية تتخذ موقفًا واضحًا ضد دعمه لقوات الدعم السريع ووقوفه ضد السودان. ويرى كاكا في دعم الحكومة الموازية مخرجًا من ورطته الحالية.