«واحشني» على خشبة المسرح القومي… حين تسبق الأغنية العودة

أم درمان: رقراق نيوز

لم يكن مقطع الفيديو المتداول للفنان أبو عركي البخيت من داخل المسرح القومي بأم درمان مجرد لحظة غنائية عابرة، بل بدا وكأنه رسالة مكثفة، محمّلة بالرموز والدلالات، في توقيت بالغ الحساسية. ظهور أبو عركي، وهو يردد أغنيته الخالدة «واحشني» وسط تفاعل جمهور متعطش، أعاد إلى الواجهة سؤال الوطن، والعودة، واستعادة الحياة في العاصمة التي أنهكتها الحرب والغياب.

 

في ذلك المشهد، لم يغنِّ أبو عركي للمحبوبة المسافرة كما اعتاد السودانيون أن يسمعوا الأغنية، بل أعاد توجيه كلماتها نحو معنى أوسع وأعمق. قالها بوضوح: اليوم أغني من أجل العودة… عودة الشعب إلى الوطن. عبارة قصيرة، لكنها كانت كافية لتحويل المقطع إلى خطاب وجداني، يلامس مشاعر ملايين السودانيين في الداخل والخارج، ممن فرّقتهم الظروف القاسية عن بيوتهم ومدنهم وذكرياتهم.

 

أهمية المقطع لا تكمن في الصوت وحده، بل في المكان أيضًا. المسرح القومي بأم درمان، هذا الصرح الثقافي العريق، ظهر في الفيديو كأنه يستعيد روحه بعد طول غياب. عودة أبو عركي إلى خشبته ليست مجرد عودة فنان، بل استعادة لرمز من رموز الحياة المدنية والثقافية في العاصمة. فالمسرح، كما الفن، لا يزدهر إلا في بيئة آمنة، ومع جمهور حاضر، وهو ما يجعل المشهد بمثابة إعلان غير مباشر عن إمكانية عودة الحياة تدريجيًا إلى قلب الخرطوم.

 

حديث أبو عركي عن ذكرياته وتجربته الطويلة على خشبة المسرح القومي أعاد ربط الماضي بالحاضر، وذكّر الأجيال المختلفة بأن هذا المكان كان، ولا يزال، مساحة للقاء السودانيين على اختلافهم، ومنبرًا للتعبير عن أحلامهم وآلامهم. وفي زمن النزوح والتشتت، تصبح مثل هذه الرموز ضرورية لتهيئة الوجدان الجمعي لفكرة العودة، قبل تهيئة الطرق والمنازل.

 

التفاعل الواسع مع المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي كشف عن تعطش حقيقي لمثل هذه اللحظات. تعليقات الفرح، والحنين، والدعوات لعودة الفنانين والمبدعين إلى مسارح العاصمة، حملت رسالة واضحة: الناس لا تريد فقط نهاية الحرب، بل عودة الروح. والفن، كما أثبت هذا المشهد، قادر على لعب دور محوري في هذه المرحلة، عبر ترميم ما تهدّم في النفوس، وبث الإحساس بأن الوطن ما زال ينتظر أبناءه.

 

في هذا السياق، تبدو عودة أبو عركي البخيت إلى المسرح القومي خطوة رمزية مهمة في تهيئة العاصمة لعودة السودانيين. فهي تعيد الثقة في الفضاء العام، وتبعث برسالة مفادها أن الخرطوم، رغم كل ما أصابها، ما زالت قادرة على احتضان الفن والجمال واللقاء. ولا غرابة بعد ذلك أن تتحدث مصادر عن حفل جماهيري مرتقب، ينتظره محبو الفنان بشغف، باعتباره امتدادًا طبيعيًا لهذه اللحظة المؤثرة.

 

مطالبات تكريم أبو عركي البخيت، التي تزامنت مع انتشار المقطع، لا تنفصل عن هذا المعنى. فالرجل، في نظر كثيرين، ليس مجرد فنان، بل شاهد على تاريخ الوطن، وصوت ظل وفيًا لقضاياه في أحلك الظروف. تكريمه اليوم سيكون، في جوهره، تكريمًا لفكرة الصمود، وللفن الذي لم يغادر مواقعه حتى عندما غادر الناس بيوتهم مكرهين.

 

هكذا، تحوّل مقطع قصير من داخل المسرح القومي إلى حدث ذي دلالة أكبر من مدته الزمنية. أغنية واحدة، وصوت واحد، ومكان واحد، اجتمعت لتقول للسودانيين: العودة ممكنة، والحياة يمكن أن تُستأنف، والفن قد يكون أول العائدين إلى العاصمة، تمهيدًا لعودة أهلها.