والي شمال كردفان يقرع جرس الصمود ومدير عام التعليم يقود معركة المستقبل

18 ألفا و503 طلاب في امتحانات المرحلة المتوسطة

همس البوادي: سعاد سلامة

ليست كل الأجراس التي تقرع إيذانا ببداية امتحان فبعض الأجراس تحمل في رنينها قصة وطن وتختصر في صوتها حكاية صبر وتحد وتعلن أن الحياة أقوى من الحرب وأن المستقبل لا يمكن أن يكون رهينة للظروف مهما اشتدت قسوتها.

في الأبيض عروس الرمال كان المشهد مختلفا وكان جرس انطلاق امتحانات المرحلة المتوسطة أكثر من لحظة تربوية عابرة فقد كان جرس صمود وجرس أمل وجرس إعلان بأن ولاية شمال كردفان اختارت أن تواجه آثار الحرب بسلاح العلم وأن تحمي أبناءها من أخطر ما يمكن أن تخسره الأمم وهو ضياع جيل كامل خلف أزمات الحرب وتداعياتها

وعندما قرع والي شمال كردفان الاستاذ عبدالخالق عبداللطيف  جرس انطلاق الامتحانات بمدرسة إقرأ بالأبيض كانت الرسالة أكبر من مراسم افتتاح وكانت الصورة تقول بوضوح إن التعليم في شمال كردفان لم ينحن أمام العاصفة وإن المدارس ما زالت قادرة على فتح أبوابها وإن أبناء الولاية يمضون نحو مستقبلهم رغم كل ما أحاط بهم من تحديات

18 ألفا و503 طلاب وطالبات يقفون اليوم أمام ورقة الامتحان في 56 مركزا امتحانيا موزعة على ست محليات وهو رقم لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد إحصائية تعليمية لأن وراء كل طالب قصة أسرة صبرت وخلف كل طالبة أما حملت القلق والأمل وخلف كل مركز معلما ظل واقفا في موقعه وخلف كل ورقة امتحان جهودا كبيرة بذلتها وزارة التربية والتوجيه والإدارات التعليمية وحكومة الولاية وكل الشركاء

هؤلاء الطلاب لا يدخلون قاعات الامتحان فقط ليكتبوا إجاباتهم وإنما يدخلونها حاملين رسالة تقول إن الحرب مهما كانت قاسية لن تستطيع إطفاء شغفهم بالتعلم وإن الجيل الذي عانى من آثارها قادر على تحويل المحنة إلى دافع للمستقبل

لقد كان العام الدراسي المسرع الذي نفذته الولاية استجابة لظرف استثنائي فرضته الحرب ومحاولة جادة لتعويض الطلاب عما فقدوه من زمن تعليمي وهو قرار لم يكن سهلا في ظل الظروف التي تمر بها البلاد ولكنه كان ضروريا حتى لا يتحول توقف التعليم إلى خسارة طويلة الأمد

وصول هذا العام الدراسي إلى محطة الامتحانات يمثل نجاحا يستحق الوقوف عنده لأنه يؤكد أن الإرادة تستطيع أن تصنع طريقا حتى عندما تكون الطرق محفوفة بالعقبات وأن المؤسسات التي تتمسك برسالتها تستطيع أن تواصل العمل مهما كانت التحديات

وهنا تبرز أهمية الدور الذي قامت به حكومة ولاية شمال كردفان التي تعاملت مع التعليم باعتباره قضية أساسية من قضايا بناء المجتمع وليس مجرد خدمة يمكن أن تتراجع أمام الأزمات فقد أكدت الحكومة أن تعليم الأبناء وتنشئتهم يمثلان أولوية وأن مستقبل الولاية يبدأ من المدرسة قبل أي مكان آخر

إن اهتمام حكومة الولاية بالتعليم في هذا الظرف الاستثنائي يمثل رسالة مهمة مفادها أن المعركة من أجل الإنسان لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى لأن الدولة التي تحمي أرضها ولا تحمي عقول أبنائها لا تستطيع أن تضمن مستقبلا آمنا ومستقرا

كما أن تأكيد حكومة الولاية اهتمامها بالمعلمين والتزامها بسداد متأخرات المرتبات يحمل بعدا إنسانيا ومهنيا مهما فالمعلم هو قلب العملية التعليمية ولا يمكن أن نطالبه بأن يصنع جيلا قويا بينما هو يعيش ظروفا صعبة ولذلك فإن تحسين أوضاع المعلمين والوفاء بحقوقهم يمثل استثمارا مباشرا في مستقبل الطلاب

وفي قلب هذا المشهد تأتي وزارة التربية والتوجيه بولاية شمال كردفان باعتبارها الجهة التي حملت العبء الأكبر في إدارة العملية التعليمية والوصول بالعام الدراسي المسرع إلى نهايته ثم تنظيم امتحانات بهذا الحجم وفي ظل ظروف استثنائية

إن ما تحقق لم يكن وليد المصادفة وإنما جاء نتيجة عمل متواصل وتنسيق ومتابعة وجهود إدارية وتربوية امتدت طوال العام الدراسي حتى وصلت الولاية إلى هذه اللحظة التي يجلس فيها 18 ألفا و503 طلاب وطالبات أمام امتحاناتهم في 56 مركزا عبر ست محليات

ويبرز هنا الدور المتقدم للمدير العام الوزير المكلف الأستاذ وليد محمد الحسن الذي تحمل مسؤولية قيادة الوزارة في ظرف بالغ التعقيد وعمل مع الإدارات التعليمية والمعلمين والشركاء من أجل المحافظة على استمرار العملية التعليمية والوصول بها إلى هذه المرحلة

فالقيادة الحقيقية تظهر في أوقات الأزمات وعندما تكون الإمكانات محدودة والضغوط كبيرة والاحتياجات متزايدة ويحسب لوزارة التربية والتوجيه أنها لم تتعامل مع الحرب باعتبارها سببا لتعليق المسؤولية وإنما باعتبارها ظرفا يستوجب مضاعفة الجهد وحماية حق الطلاب في التعليم والامتحان

والإشادة بالمدير العام الوزير المكلف الأستاذ وليد محمد الحسن ليست مجاملة وإنما تقدير لدور إداري وتربوي في مرحلة تحتاج إلى قيادات قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ومواصلة العمل في أصعب الظروف

كما أن المعلمين يستحقون في هذه اللحظة تحية خاصة لأنهم كانوا في الصفوف الأولى في معركة الحفاظ على التعليم فالمعلم الذي يدخل الفصل في زمن الحرب ويواصل الشرح والمتابعة والتوجيه ويستعد للامتحانات ويقف إلى جانب طلابه إنما يؤدي رسالة تتجاوز حدود الوظيفة

إنه يحرس المستقبل

ومن مدرسة إقرأ بالأبيض تتجسد المفارقة الجميلة فاسم المدرسة نفسه يحمل رسالة واضحة إقرأ ففي الوقت الذي تحاول فيه الحرب أن تفرض على الإنسان الخوف والنزوح والفقد تأتي المدرسة لتقول إن الطريق الآخر ما زال مفتوحا وإن القراءة والعلم والمعرفة يمكن أن تكون جسرا يعبر به الوطن من ظلام الأزمة إلى نور المستقبل

ما أجمل أن يكون جرس الامتحان قد انطلق من مدرسة تحمل اسم إقرأ لأن السودان الذي يريد أن يتعافى ويعيد بناء مدنه ومؤسساته يحتاج قبل كل شيء إلى إنسان متعلم وواع وقادر على التفكير وصناعة الحلول

فالمدن يمكن إعادة إعمارها والطرق يمكن إصلاحها والمباني يمكن تشييدها ولكن بناء الإنسان يحتاج إلى سنوات طويلة ولذلك فإن حماية التعليم في زمن الحرب ليست قضية ثانوية وإنما هي واحدة من أهم معارك الدولة والمجتمع

ولأبنائنا وبناتنا الذين يجلسون اليوم أمام أوراق الامتحانات نقول إنكم جيل لم يختر الحرب ولكنه اختار أن يقاوم آثارها وأنتم لا تمتحنون في الكتب والمناهج فقط وإنما تثبتون أن الإنسان السوداني يستطيع أن يواصل طريقه مهما كانت الصعوبات

لا تجعلوا الحرب أكبر من أحلامكم ولا تجعلوا الظروف أقوى من إرادتكم واجتهدوا وثقوا بأنفسكم وأدوا امتحاناتكم بهدوء وتذكروا أن النجاح الحقيقي ليس فقط في الحصول على درجات عالية وإنما في القدرة على الاستمرار وعدم الاستسلام

وإذا كانت الحرب قد أخذت منكم كثيرا فلا تسمحوا لها بأن تأخذ المستقبل أيضا فالمستقبل ملككم وأنتم الذين ستكتبون فصوله بالعلم والعمل والإرادة

إن انطلاقة امتحانات المرحلة المتوسطة في شمال كردفان يجب ألا تمر كخبر عابر لأن ما يحدث اليوم يحمل دلالة أكبر من الامتحان نفسه فهو إعلان بأن التعليم مستمر وأن المدرسة ما زالت حاضرة وأن المعلم ما زال واقفا وأن الطالب ما زال يحلم وأن الدولة ما زالت قادرة على حماية حق أبنائها في التعلم

إن 18 ألفا و503 طلاب وطالبات ليسوا مجرد رقم في كشف الامتحانات وإنما هم صورة السودان القادم وهم الأطباء والمهندسون والمعلمون والقضاة والإعلاميون والباحثون والقادة والمزارعون والمهنيون الذين سيحملون مسؤولية إعادة بناء الوطن

ولهذا فإن دعم وزارة التربية والتوجيه ومساندة حكومة الولاية للعملية التعليمية يجب أن يستمر وأن يتحول من استجابة لظرف الحرب إلى رؤية طويلة المدى تجعل التعليم في مقدمة أولويات التعافي وإعادة الإعمار

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مدارس أكثر وإمكانات أكبر ومعلمين أكثر استقرارا وبيئة تعليمية أفضل واهتمام حقيقي بالطالب لأن إعادة بناء السودان تبدأ من إعادة بناء الإنسان

واليوم فإن شمال كردفان تقدم نموذجا يستحق التقدير عندما اختارت أن تفتح أبواب الامتحان بدلا من أبواب اليأس وأن تجعل من العام الدراسي المسرع جسرا يعبر عليه الطلاب نحو مستقبلهم

قرع والي شمال كردفان جرس الامتحانات ولكن صدى الجرس تجاوز أسوار مدرسة إقرأ ووصل إلى كل بيت في الولاية ووصل إلى الأسرة التي تنتظر نجاح ابنها وإلى الأم التي سهرت من أجل ابنتها وإلى المعلم الذي بذل جهده وإلى المسؤول الذي تحمل مسؤوليته وإلى كل سوداني يؤمن بأن هذا الوطن يستحق الحياة

إن جرس اليوم لم يكن جرس امتحان فقط كان جرس صمود وجرس أمل وجرس مستقبل وكان رسالة تقول إن الحرب قد تهدم جدارا لكنها لن تهدم إرادة جيل وقد تعطل طريقا لكنها لن تغلق طريق العلم وقد تؤخر يوما دراسيا لكنها لن تؤجل حلم وطن كامل

فاصلة

هكذا تمضي شمال كردفان في معركتها الأخرى معركة بناء الإنسان وحماية المستقبل مستندة إلى إرادة حكومة الولاية وجهد وزارة التربية والتوجيه بقيادة المدير العام الوزير المكلف الأستاذ وليد محمد الحسن وإلى صبر المعلمين وإصرار الطلاب ووعي الأسر والمجتمع

فإذا كانت الحرب قد اختبرت قدرة الولاية على الصمود في ميادين كثيرة فإن امتحانات اليوم تختبر قدرتها على حماية مستقبلها والرهان هنا أكبر من ورقة امتحان فالرهان على جيل كامل والرهان على السودان والرهان على أن يظل جرس المدرسة أعلى من صوت الحرب

اللهم أمنا في أوطاننا