انهيار متسارع للجنيه السوداني .. وشركات الوقود تشعل ضغط الدولار في السوق الموازية
رصد: رقراق نيوز
واصل الجنيه السوداني تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية، في ظل اتساع الطلب على النقد الأجنبي وتراجع موارد العملات الصعبة، فيما اضطر عدد من تجار السوق الموازية إلى وقف عمليات البيع بعد قفزات متسارعة في أسعار الصرف.
ويشهد الجنيه السوداني منذ أسابيع تراجعاً غير مسبوق، بالتزامن مع منح بنك السودان المركزي المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف وشراء حصائل الصادر، الأمر الذي انعكس على ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، ودفع إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وقال متعاملون لـ«سودان تربيون» إن سوق النقد الأجنبي شهد خلال الساعات الأخيرة ارتفاعاً حاداً في الطلب، مشيرين إلى أن سعر الدولار الواحد تجاوز 8 آلاف جنيه.
وبلغ سعر بيع الدرهم الإماراتي نحو 2,150 جنيهاً، والريال السعودي بين 1,970 و2,000 جنيه، فيما تجاوز سعر الجنيه المصري 150 جنيهاً، وسجل اليورو نحو 8,665 جنيهاً.
فجوة واسعة بين السوقين الرسمية والموازية
وأظهرت أسعار العملات فجوة كبيرة بين السوق الرسمية والسوق الموازية، إذ أفادت نشرة بنك الخرطوم لتعاملات اليوم الثلاثاء ببيع الدولار الأمريكي مقابل 4,231.50 جنيه، والريال السعودي بـ1,137.50 جنيه، والدرهم الإماراتي بـ1,159.32 جنيه، بينما بلغ سعر الجنيه المصري 81.63 جنيه، واليورو 4,795.14 جنيه.
شركات الوقود تضغط على سوق النقد الأجنبي
وأرجع متعاملون جانباً من الارتفاع الأخير إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي من شركات الوقود، مشيرين إلى وجود بواخر محملة بالمواد البترولية تنتظر التفريغ، ما دفع بعض الشركات إلى البحث عن العملات الأجنبية لتوفير احتياجاتها من السوق الموازية.
وأضاف المتعاملون أن حجم شراء النقد الأجنبي من شركات الوقود ارتفع بصورة ملحوظة خلال اليومين الماضيين، الأمر الذي دفع بعض المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم بدلاً من بيعها، تحسباً لمزيد من التراجع في القيمة الشرائية للجنيه السوداني.
غرفة المستوردين تنتقد السياسات الاقتصادية
وفي غضون ذلك، شنت الغرفة القومية للمستوردين هجوماً حاداً على اللجنة الاقتصادية بمجلس الوزراء، متهمة إياها بالانشغال بإجراءات لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
وقال رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين صالح، في بيان صدر الثلاثاء، إن اللجنة الاقتصادية «ترفع شعارات زائفة»، بينما يواصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية.
وأشار جلال الدين إلى أن سعر الدرهم الإماراتي كان دون 1,600 جنيه عند انعقاد أول اجتماعات اللجنة، لكنه تجاوز حالياً 2,080 جنيهاً، معتبراً أن الحديث عن مكافحة التهريب وضبط السجلات التجارية وزيادة الإنتاج والإنتاجية وإضافة قيمة للصادرات، إلى جانب التوسع الضريبي، لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون إصلاح بيئة الإنتاج.
وقال إن هذه الأهداف «لا تتحقق بكبسة زر»، وإنما تحتاج إلى تخطيط علمي وعمل حكومي يوفر الطاقة والكهرباء الرخيصة والبنية التحتية والنقل والتمويل وسياسة جودة وطنية وبيئة إنتاج مستقرة.
وانتقد جلال الدين ما وصفه بعجز الموازنة المزمن، الذي يدفع الحكومة إلى زيادة الجمارك والضرائب والرسوم والجبايات، مضيفاً أن الحكومة تعمل على معالجة نتائج الأزمة بينما تترك أسبابها.
واعتبر أن سوء الأداء الاقتصادي يتحمل رئيس الوزراء مسؤوليته، مشيراً إلى مذكرة سبق أن قدمتها الغرفة لرئيس الوزراء بشأن حظر السلع.
المستوردون: حظر السلع يوسع التهريب ويزيد التضخم
وأوضح رئيس الغرفة أن حظر السلع لا يلغي الطلب عليها، وإنما ينقل تلبيته إلى التهريب والسوق غير الرسمي، بما يؤدي إلى اتساع التهرب الضريبي وإهدار إيرادات الدولة، قائلاً إن الأسواق «مليئة بالسلع المحظورة».
وقال إن حظر السلع لا يعالج سعر الصرف، بل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتضخم وتقليل الإيرادات العامة وتوسيع عجز الموازنة، مضيفاً أن تمويل العجز بالاستدانة من النظام المصرفي يزيد الضغوط على الجنيه ويسرع وتيرة تدهوره.
وأشار إلى أن الدولار كان يعادل نحو 4,100 جنيه عند صدور قرار حظر السلع، بينما وصل حالياً إلى نحو 7,600 جنيه.
وانتقد كذلك توجه الحكومة إلى فتح مراكز للبيع المخفض، معتبراً أن خفض الأسعار لا يمكن تحقيقه بقرار إداري في ظل ارتفاع تكلفة السلع نتيجة تراجع قيمة الجنيه وزيادة الدولار الجمركي والضرائب والرسوم الحكومية والتكاليف المصاحبة.
وقال إن معالجة التكلفة تمثل المدخل الطبيعي لانخفاض الأسعار، مضيفاً أن حظر السلع لا يمكّن المنتج الوطني من زيادة إنتاجيته أو خفض تكلفته أو بناء قدرة تنافسية.
وأضاف أن استخدام الحظر بديلاً عن إصلاح بيئة الإنتاج «لا يحمي الإنتاج الوطني بل يعمق أزمته».
انتقادات لنظام مراقبة الواردات والصادرات
وتطرق جلال الدين إلى نظام مراقبة الواردات والصادرات، قائلاً إن الغرفة سبق أن حذرت رئيس مجلس الوزراء كتابة من مخاطر إسناد بيانات الاستيراد إلى جهة أجنبية، وقدمت مذكرة بشأن الآثار الاقتصادية والأمنية للنظام.
وتساءل عما إذا كان اتجاه الحكومة حالياً إلى نظام وطني لمراقبة الواردات والصادرات يعني اكتشافها «سوء وخطورة» تطبيق النظام عبر شركة أجنبية، مطالباً في هذه الحالة بالإعلان صراحة عن إلغاء نظام ACD.
وأكد أن معالجة سعر الصرف لا تتم بالشعارات أو القرارات الإدارية، وإنما من خلال إدارة الطلب على النقد الأجنبي ومنع المضاربة وزيادة موارد العملات الأجنبية وعرضها.
وقال إن بعض قرارات الحكومة أسهمت في تقليص العرض بدلاً من زيادته، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغوط على الجنيه السوداني.
وكشف جلال الدين عن اعتزام الغرفة التقدم بصورة عاجلة إلى رئيس مجلس السيادة بمذكرة مفصلة تتناول أزمة سعر الصرف وتقترح حلولاً عملية لمعالجتها.
تحذير من تكرار سيناريو الأزمة الاقتصادية في 2018
وحذر رئيس الغرفة من أن السياسات الاقتصادية الحالية تعيد إنتاج النهج الذي اتُبع في عام 2018، بما في ذلك حظر السلع وزيادة الدولار الجمركي وسياسات الصرف.
واعتبر أن تلك الإجراءات قادت آنذاك إلى أزمة معيشية خانقة، كان من أبرز مظاهرها انعدام الخبز، وأسهمت في اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت بنظام الإنقاذ.
وقال إن المخاطر الحالية أكبر والظروف أشد قسوة، في ظل استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي والضغوط المعيشية غير المسبوقة، متسائلاً عن جدوى الاستمرار في التعامل مع الأزمة بالسياسات ذاتها.
ودعا إلى تدخل فوري وتكوين فريق عمل من خارج اللجنة الاقتصادية ينعقد على مدار الساعة لمراجعة القرارات الاقتصادية، قبل تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية يصعب احتواؤها.
الحكومة تشكل خلية لإدارة أزمة سعر الصرف
وكانت السلطات السودانية قد قررت نهاية أغسطس تشكيل خلية لإدارة قضايا سعر الصرف وآثارها، برئاسة وزير المالية وعضوية عدد من الجهات المختصة، بهدف تقديم حلول عاجلة لمعالجة الارتفاع المتسارع في أسعار العملات الأجنبية.
وقال إعلام مجلس الوزراء إن اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد عقدت اجتماعها الثالث برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، وناقشت تراجع سعر صرف العملة الوطنية وانعكاساته على الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية والمعيشية، مع استمرار تراجع الجنيه السوداني وارتفاع أسعار الغذاء ومواد البناء والخدمات، بالتزامن مع اضطرابات وتوقف في بعض التطبيقات المصرفية، ما انعكس على حركة البيع والشراء وزاد حالة الارتباك في الأسواق.