جرائم الحرب في السودان تحت المجهر.. أول شكوى للجنائية الدولية وتوثيق لانتهاكات واسعة
أم درمان – سعاد سلامة
سلّط المؤتمر التنويري رقم (62) الذي نظمته وكالة السودان للأنباء «سونا» بالمركز الثقافي في أم درمان، الضوء على واحد من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع الحرب في السودان، وهو ملف **جرائم الحرب والإبادة الجماعية ومسارات التقاضي الدولي**، وسط دعوات لتكثيف عمليات التوثيق وحفظ الأدلة وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات أمام المؤسسات القضائية الدولية.
واستضاف المؤتمر الخبير القانوني والمحامي المتخصص في القانون الدولي الدكتور محمد الزين، بحضور وكيلة وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذة سمية الهادي، إلى جانب عدد من الصحفيين والإعلاميين والمهتمين بالقانون وحقوق الإنسان.
وأكد منظمو المؤتمر أن اللقاء يأتي في إطار الجهود الرامية إلى تنوير الرأي العام بالجوانب القانونية للانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب، والتعريف بالآليات الدولية المتاحة لمحاسبة مرتكبي الجرائم، فيما أوضح الأستاذ إبراهيم موسى البشير أن استضافة الدكتور محمد الزين تهدف إلى إلقاء الضوء على مسارات التقاضي الدولي والملفات القانونية المرتبطة بالحرب.
جرائم تتجاوز حدود الجريمة العادية
وفي حديثه، حيّا الدكتور محمد الزين الشعب السوداني، مشيداً بالدور الذي اضطلعت به المرأة السودانية خلال الحرب، كما ترحم على أرواح الإعلاميين والصحفيين الذين فقدوا حياتهم، مؤكداً أن الإعلام يؤدي دوراً محورياً في توثيق الانتهاكات ونقل الحقائق إلى الرأي العام المحلي والدولي.
وتناول الخبير القانوني الفارق بين الجرائم الجنائية العادية والجرائم التي تقع أثناء النزاعات المسلحة، موضحاً أن القانون الدولي يضع الأخيرة ضمن إطار الجرائم الدولية، متى ما توافرت شروطها القانونية.
وأشار إلى أن جرائم القتل والنهب والاختطاف والاغتصاب والاسترقاق، إلى جانب التدمير الممنهج للأعيان المدنية، يمكن أن تدخل ضمن جرائم الحرب، بينما قد ترقى الجرائم التي تستهدف جماعات أو مكونات سكانية محددة على أسس عرقية أو إثنية أو دينية إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية، وفقاً للمعايير القانونية الدولية.
وأوضح أن استهداف المنازل والمرافق الخدمية والمستشفيات ودور العبادة والبنى التحتية المدنية يمثل جانباً من الانتهاكات التي تستوجب التحقيق والتوثيق، خصوصاً عندما تتم بصورة منظمة أو منهجية.
شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية
وكشف الدكتور محمد الزين عن تقديم أول شكوى للمحكمة الجنائية الدولية في **17 يناير 2024**، بالتعاون مع عدد من القانونيين السودانيين، استناداً إلى إفادات ووثائق وشهادات جمعها فريق قانوني من ضحايا الحرب.
وقال إن الشكوى تضمنت توكيلات قانونية وشهادات مباشرة من متضررين في عدد من الولايات، في إطار مساعٍ لتكوين ملفات قانونية متكاملة يمكن الاستناد إليها في مسار التقاضي الدولي.
وأشار إلى أن فرقاً قانونية أجرت زيارات ميدانية إلى معسكرات النازحين ومراكز الإيواء في ولايات الخرطوم والشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر وكسلا والقضارف وسنار، وجمعت إفادات بشأن وقائع قتل واغتصاب وتهجير قسري وانتهاكات أخرى.
وأوضح أن تلك الإفادات والوثائق أُدرجت ضمن ملفات قانونية قُدمت للمحكمة الجنائية الدولية، بهدف دعم مسار العدالة وملاحقة المسؤولين عن الجرائم.
العدل بين الدول.. والمحاسبة بين الأفراد
وفي استعراضه لمسارات التقاضي الدولي، أوضح الزين الفارق بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مبيناً أن محكمة العدل الدولية تختص بالنزاعات بين الدول باعتبارها أحد أجهزة الأمم المتحدة، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الدولية الكبرى، ومن بينها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
كما أشار إلى مخاطبة جامعة الدول العربية بشأن الانتهاكات المرتبطة بالحرب، في محاولة للاستفادة من الآليات القانونية المتاحة داخل المنظومة العربية، رغم التحديات التي تواجه عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإقليمية.
الإعلام.. عين أخرى على مسرح الحرب
وشدد الخبير القانوني على أن معركة توثيق الانتهاكات لا تقل أهمية عن المسارات القانونية نفسها، داعياً وسائل الإعلام والصحفيين إلى مواصلة العمل المهني في جمع المعلومات وتوثيق الجرائم وإيصالها إلى المنابر الإقليمية والدولية.
وأكد أن الإعلام يمثل أداة رئيسية في تشكيل الوعي الوطني والدفاع عن صورة السودان أمام المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن التوثيق المهني يمكن أن يشكل جزءاً مهماً من منظومة الأدلة التي تستند إليها عمليات التحقيق والملاحقة القانونية.
نحو عدالة لا تسقط بالتقادم
واختتم الدكتور محمد الزين بالتأكيد على ضرورة توحيد جهود الدولة والمحامين ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميين في عمليات التوثيق وحفظ الأدلة، بما يدعم حقوق الضحايا ويعزز فرص تحقيق العدالة.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً مؤسسياً ومنظماً لحفظ الشهادات والوثائق والأدلة، وتوثيق الانتهاكات وفق معايير مهنية وقانونية، بما يمهّد الطريق أمام محاسبة المسؤولين عنها وعدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.